تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للفلسطينيين والشام للشاميين، وحلب للحلبيين وبيروت للبيروتيين

…

. إلخ

وهكذا كانوا:

وتفرقوا شيعا فكل قبيلة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر

متى ضعفت جامعتهم وتفككت أوصالهم ضاعت عزتهم، وفقدوا المهم من

شأنهم، وأصل هذا دعوة دعا إليها (مونرو) رئيس في الولايات المتحدة جعل هذا

شعارا لأميركا فقال: (أميركا للأميركيين) منعا لعدوان أوربا عن أميركا، ومثل

هذا اللفظ وإطلاقه على أميركا وسير أميركا عليه ليس منه إلا حفظ لشأن أميركا

وطرد لأوربا عنها، فأميركا دول متفرقة بينها، ولكنها إزاء أوربا والمجموعة

الدولية أمة واحدة وبلد واحد، أما في بلاد العرب فإن هذه الدعوى السخيفة التي

انتشرت فيها لم تنشر إلا من أهل السوء وأعداء العرب والإسلام، ولم يقصد منها

غير طعن العرب والإسلام في الصميم، وتفكيك أوصال الصلات بينهم، ومن كان

فيه مسكة من دين أو قليل من العلم بعلم الاجتماع وتكوين الأمم يربأ بنفسه عن مثل

هذه النغمة التي تناقض الدين وتنافي ما بنى عليه علم الاجتماع قواعده في تكوين

الشعوب والأمم في العصر الحاضر، على أن هذا الباب طويل عريض لا يتسع

المجال لبسط الكلام فيه فنرجئه لفرصة أخرى ولمقام آخر، والمهم فيه الإشارة إلى

ما نرى من أمر الإسلام في مثل هذه الدعاوى المحلية والإشارة لأغراض المفسدين

في تفريق شمل الأمة العربية والأمة الإسلامية.

وإذا انتقلنا من هذا البحث إلى التاريخ القريب نجد أن هذه القطعة من البلاد

العربية والتي تسمى عسير منذ نشأة آل سعود الأولين كانت تابعة لهم وخاضعة

لحكمهم، وظلوا فيها إلى أن وقعت الحرب بين آل سعود والترك حيث كانت الغلبة

للترك، وكان آل عايض من أمراء آل سعود في تلك الأطراف، ثم نشأت بعد ذلك

سيادة آل حميد الدين في أعالي اليمن، كما نشأت سيادة الإدريسي في بعض جهات

تهامة، إلى أن حصل ما حصل في استرداد جلالة الملك لإمارة آل عايض ثم حماية

الأدارسة ثم نقض الإدريسي للعهد، ونكثه ثم إلحاق تهامة وعسير بالمملكة العربية

السعودية التي تدين بدين الإسلام، وتحيي مآثر العرب التي أقرها الإسلام، وتنفي

دعوة الجاهلية، ولو سئلت رأيها من قبلها في التقدم إلى هذا الأماكن لاختارت عدم

التقدم لها، ولكن بليت بكل ناحية من بلاد العرب بمن ينغص عليها السكون

والراحة، فتقدمت للدفاع فأعان الله حتى أعطى الله ما أعطى وهو المعطي وهو

المانع لا مرد لحكمه ولا معقب لأمره.

وليس هذا مجال شرح أسباب احتلال كل قطعة من قطع البلاد العربية لتبرير

موقف حكومتنا؛ لأن أكثر ذلك أصبح مشهورا ومعروفا عند أكثر المشتغلين

بالقضية العربية.

ومن هذا يتبين أن دعوى صنعاء بأنها أم اليمن، وأنها ينبغي أن تجمع اليمن

إليها، أمر ظهر من صنعاء في مواقف كثيرة، ولو أردنا أن نسمح لأنفسنا بالاسترسال

وبالتسليم جدلا بدعوى الجاهلية لكان هناك مجال للقول بأن اليمن لليمانيين

ولا يمت من في اليمن بنسب إلى قريش وقريش في الحجاز وأهل اليمن من اليمن

كما أن الأدارسة لم يأتوا لتهامة إلا من أفريقيا، وهم ينتسبون لقريش أيضا. على

أن هذا مما نحمي لساننا عن قوله، ولا ندعو إليه وننتهي بنهي الرسول صلى الله

عليه وسلم عنه.

وسيادة الإمام يحيى سبق أن أعطى من في تهامة عهودا ومواثيق ثم أوقع بهم

أي وقيعة، وننشر في عقب هذا المقال نص العهد الذي قطعه للزرانيق والقبائل

وذلك بتوسط والي اليمن الأسبق محمود نديم؛ ليعرف الناس حقيقة ما هو واقع في

تلك النواحي، والذي نعلمه أن جلالة الملك لم يسمع لمن في تلك الجهات نداء، ولا

أجاب لهم استصراخا، رغم اختلافهم مع من في صنعاء في المذهب وذلك تفاديا

وبعدا عن الشحناء.

ولقد كان من العجب العجاب تلك الجموع المتتابعة التي لا تزال تتابع والتي

أرسلها سيادة الإمام يحيى إلى نجران وهم لم يجنوا ذنبا ولم يقترفوا معه إثما فاحتل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٢٨