تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولاية العهد للدولة العربية السعودية

وكتابان إسلاميان تاريخيان

كانت حكومة الحجاز وحكومة نجد وملحقاتها كل منهما مستقلة بنفسها إلا أن

ملكهما واحد يلقب بملك الحجاز ونجد وملحقاتها، وكان هذا التفريق خطأ عائقا دون

الوحدة القومية الخاصة التي تربطهما، والتمهيد للوحدة العربية العامة التي يدعو

إليها المصلحون، فقرر أولو الأمر توحيد الحكومتين وجعلهما دولة واحدة بالاسم

المذكور في العنوان، واحتفل بذلك في مكة المكرمة بحضور جلالة الملك عبد

العزيز الفيصل مؤسس هذه الدولة المباركة في منتصف جمادى الأولى سنة 1351

ثم إنه في 16 المحرم من سنتنا هذه 1352 قرر أركان حكومة الحجاز مبايعة سمو

الأمير سعود نجل جلالته الأكبر بولاية العهد للمملكة، وفي 20 المحرم بايعه أهل

الحل والعقد من الحجازيين والنجديين في مكة المكرمة ومنهم العلماء والشرفاء

وأمراء بيت الملك السعودي الذي كانوا فيها. وقبل البيعة بالنيابة عنه سمو أخيه

الأمير فيصل نائب الملك لحكومة الحجاز؛ إذ كان سموه في نجد، ثم تقرر إرسال

وفد من مكة إلى الرياض عاصمة نجد برياسة الأمير فيصل فبايع سموه مع أهل

الحل والعقد من العلماء والأمراء هنالك وقبل المبايعة بمكة أرسل جلالة الملك برقية

إلى سمو الأمير سعود ينبئه بالبيعة ويوصيه بالوصايا العالية، فرد الأمير رجعها

بما يليق ببره وحسبه وأدبه، ثم أرسل إليه جلالة والده الكتاب التاريخي الآتي وهو

المقصود لنا بالذات؛ لأنه نموذج كامل لاتباع هذا الملك لسنة الخلفاء الراشدين

والسلف الصالحين في هديه وحكمه ويتضمن معاني وصايا البرقية وزيادة وهو:

كتاب جلالة الملك

برقيتك وصلت، وقد أحطنا علما بما جاء فيها، وهذا أملنا فيك، نرجو أن

الله يرزقنا وإياك الهدى والتوفيق.

وقد أحببت أن أكرر عليك نصائحي، توجه فيصل وإخوانك إلى الرياض

وبرفقتهم وفد من الحجاز. والحقيقة أننا رأينا في الحجاز أمرا ما كنا نظنه. نحن

كنا على يقين من إخلاصهم وولائهم. ولكن الأمر تجاوز الحد وفوق ما كنا نظن،

فقد شاهدنا منهم محبة وشفقة على ولايتهم ونصحا للمسلمين عظيما. نرجو أن

يوفقنا الله وإياهم للخير. وأما أهل نجد فقد كتبنا لهم كتابا وعرفناهم أننا أجبنا

طلبهم فيما يتعلق بولاية العهد، وأما الأمر الذي أكرره عليك وأوصيك به فهو:

(الأمر الأول) تقوى الله والمحافظة على ما يرضيه وتفهم أن الحجة قائمة

على البشر بعد ما أرسل الله أفضل رسله وأنزل أفضل كتبه، فلا يوجد بعد كتاب

الله وسنة رسوله صلوات الله عليه وسلامه حجة لأحد؛ لأنها المبينة المبشرة بالخير

بحذافيره، والمحذرة والمنذرة عن الشر بحذافيره، فلا حجة ولا معذرة بعد ذلك. ثم

تفهم أننا نحن آل سعود ما أخذنا هذا الأمر بحولنا ولا بقوتنا إنما من الله به علينا

بسبب كلمة التوحيد.

وتفهم أن كلمة التوحيد معناها الإخلاص لله بالعبادة والانقياد له بالطاعة، أما

الإخلاص فهو عبادته وحده والاعتصام به والالتجاء إليه وترك ما سواه، وأما

الانقياد فهو اتباع أوامره واجتناب نواهيه والعمل بالجميع بإخلاص ونية ومتابعة.

فبحول الله وقوته ما اعتصم أحد بالله وقام بسنة رسوله إلا وفق وهدي، والكلام

بذلك يطول وزبدته ما ذكرنا.

(الأمر الثاني) معلومك أننا في آخر زمان، ولقد أصبح الشح مطاعا

والهوى متبعا وأعجب كل ذي رأي برأيه، فبموجب هذا يخشى من التغيير والتغير.

قال الله سبحانه في محكم كتابه: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما

بأنفسهم} (الرعد: 11) وزبدة الحياة قائمة على قواعد (الأولى) ما ذكرنا أعلاه

(والثانية) مكارم الأخلاق كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله

عنها: (يا عائشة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة) وقال الشاعر:

لو أنني خيرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٢٨