تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

....

وعظمت في مقابلة ذلك أمر ابن رفادة هذا وشأن قوته التي قيل

إنها تبلغ أربعمائة نسمة، فارتقت بها بعض الأنباء إلى أن زادتها ألف رجل، أو

أكثر (!!) ثم عظمت أنباء أنصاره وأعوانه الذين يمدونه بالمال والمؤن والذخائر

ومنها أن هذا المدد كله من مصر تحمله إليه سفن مخصوصة، وقد صرح بهذا

بعض رجال الإنكليز الرسميين، فانصرفت أذهان الناس إلى الدولة المصرية نفسها،

إذ لا يوجد في مصر من يمكنه ذلك غيرها، إذا كانت متفقة مع رجال الإنكليز

عليها.

نعم إن في مصر جمعية حجازية تكره الحكومة السعودية؛ ولكنها جمعية فقيرة،

وإن في مصر بعض الشرفاء الذين يودون الإدالة لأسرتهم من الملك عبد العزيز

آل سعود؛ ولكنهم عاجزون عن مد هؤلاء الثائرين، فلا مال ولا رجال ولا وسائل

لنقل المال والرجال من مصر إلى حدود الحجاز، ولو وجد كل ذلك لديهم لما أقدموا

على هذا العمل إلا إذا كانت الدولتان البريطانية والمصرية إحداهما أو كلتاهما

تسخرهم لتنفيذ مقاصدها بما يعتقدون به أن هذه الثورة الحقيرة ستكون تمهيدا لقلب

حكومة الحجاز ونزعها من يد ابن السعود.

والمنقبون عن خفايا الدسائس في مصر يقولون إن بعض الشرفاء موعود بأن

يجعل أميرا على الحجاز بعد إلحاقه بمصر، وأن يجعل راتبه ثمانين ألف جنيه في

السنة، وأن يجعل له حامية مصرية مؤلفة من ستة آلاف من الجيش المنظم.

وجملة القول إن الإنكليز ظنوا أن الفرصة الآن سانحة لإيقاد نيران ثورة في

الحجاز شر من ثورة نجد السابقة، إما أن تنتهي بإخراج ابن السعود من الحجاز أو

باضطراره إلى الاعتراف لهم بإلحاق العقبة ومعان بشرق الأردن؛ لأن الأوان قد

آن لإحداث ما يريدون فيها من الأعمال التجارية والعسكرية لقرب وصول أنابيب

زيت البترول من العراق إلى البحر المتوسط؛ ولكن ابن السعود قد شعر بالمراد،

وجمع من القوات النجدية والحجازية ما يفوق ما جمعه الإنكليز استعدادا لدرء الفتنة.

إن أقوال الجرائد الإنكليزية الكبرى كالتيمس والديلي تلغراف في تكبير حركة

ابن رفادة الصغيرة، وفي أراجيفها الكثيرة فيما تحكيه عن أهل الحجاز وعن سائر

المسلمين من تمنيهم لزوال سلطة الوهابيين عن الحجاز - يفسرها للمسلمين استعداد

الإنكليز العسكري على حدود الحجاز ونجد من العقبة إلى آخر حدود شرق الأردن،

وتفسره أقوال الأمير عبد الله الذي وضع هذه البلاد تحت سيطرتها العسكرية من

تصريحه بعداوة ابن السعود وسعيه طول حياته لاستعادة ملك الحجاز إلى نفسه،

وتفسره أقوال مستر كلوب (أبو حنيك) الإنكليزي وأعماله في تنظيم قوات شرق

الأردن العربية والإنكليزية الذي يعيد فيها سيرته الأولى بين نجد والعراق التي

أعقبت ثورة الدويش، وهذه الأقوال نشرتها الجرائد كلها فحسبنا العبرة بها من

ذكرها.

وحاصل هذه الأقوال والأفعال أن الإنكليز يريدون نقض ما عاهدوا عليه ملك

الحجاز ونجد من أنهم لا يحدثون حدثا في منطقة العقبة ومعان مدة سبع سنين أو

يحملوه على مطاردة ابن رفادة فيها إذا لجأ إليها فيتهموه بنقضها ويعلنوا احتلالها

للضرورة؛ فإنهم يسخرون العرب للقضاء على ملك العرب، ويسخرون المسلمين

لتمكينهم من هدم الإسلام وإذلاله بوضع الحرمين الشريفين تحت نفوذهم وسلطانهم

كشرق الأردن ومصر؛ فإن خليج العقبة من الحجاز كزقاق البوسفور من مدينة

الآستانة أو أعظم، وإن الطريق منها إلى العراق من جزيرة العرب وسورية

والعراق كنياط القلب، وهو الشريان الأعظم في الجسم كما بينا ذلك في المنار

مرارا.

كذب الإنجليز في دعواهم أن المسلمين لا يسوءهم إخراج ابن السعود في

الحجاز، فها هي ذي جميع الجرائد الإسلامية في مصر وغيرها تعلن سخطها على

ابن رفادة الخائن، وتعد كل من يساعده خائنا لأمته ودينه، وكل مسلمي مصر

ساخطون على حكومتهم لعدم اعترافها بحكومة ابن السعود، ولعدم إرسالها إلى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٢٠