والأعجمية أن الإفرنج ما صاروا أقوى منا وأرقى ثروة وحضارة، وتمتعا باللذات
والشهوات، إلا بالانسلاخ من الدين، فأول ما يجب علينا أن نفعله إذا أردنا أن
نكون مثلهم أن نتجرد أولا من ديننا، فنكون إباحيين عبادا لشهواتنا، ثم نطلب
علومهم وفنونهم فنكون مثلهم، وهذا غش وخداع بالكذب والبهتان، فهم أشد من
شعوب الشرق كلها إحكاما لربطتهم الدينية وعناية بتعليم الدين ونشره، وبذل
الملايين في سبيله [2] .
ولكن لهؤلاء الدعاة للإلحاد والإباحة شبهات من فلسفة الإفرنج وأصول النقد
عندهم يروجون بخلابتها الطعن على القرآن بما يفترون عليه، فنحن نشير إليها
أولا ونقفي عليها ببطلان بناء نقدهم على قواعدها، فإذا هي وأهلها كمن قال الله
تعالى فيهم: {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم
السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} (النحل: 26)
قواعد النقد العصري
من أصول النقد العلمي الفلسفي للكلام الذي يسمونه النقد التحليلي أن يعرف
أولا تاريخ صاحبه في مزاجه وتربيته الدينية والأدبية، وقومه وعشرائه، ووطنه
وحكومته، وأخلاقه ومعيشته، وأهله وولده، وعوارض حياته، وأطوارها
الاجتماعية والسياسية والشهواتية وغيرها، فمن المعلوم بالطبع والعقل أن كل ما
يعرض لإدراك الإنسان ووجدانه يكون له أثر في كلام صاحبه.
فلو كان الإنسان مفطورا على الصدق وألا يقول إلا ما يعتقد، وألا يكتم شيئا
مما يعتقد، وعلى التوفيق بين اعتقاده وما يعارضه من شعوره ووجدانه، من حب
وبغض، وخوف وطمع، لكان طريق النقد التحليلي للكلام معبدا مستقيما قلما يضل
سالكه أو يعثر.
ولكن الإنسان خلق قادرا على الصدق والكذب، وعرف من سيرة أفراده أنهم
يتبعون أهواءهم ومنافعهم، في كلامهم فيرجحون بها الكذب على الصدق، أو إخفاء
الحق على إظهاره، إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، إلا من كان له عقيدة دينية أو
حكمة عالية تعصمه من الكذب الصريح ولو بالتأول، وقليل ما هم. ولذلك قال
بعض الأذكياء: إنما وظيفة اللسان في الإنسان إخفاء الحقيقة عن الناس، ولا ريب
في أن الشعراء وكتاب السياسة المكتسبين بشعرهم هم أبرع الناس في الكذب والإفك،
وإبراز الباطل في صورة الحق، والرذيلة في ثوب الفضيلة، والعكس. فهذه
مدحضة من مداحض النقد التحليلي في الناقدين والمنتقدين، تتيح لصاحب البصيرة
أن يظهر خطأ هؤلاء الكتاب عندنا في كثير مما قالوه ويقولونه في تراجم شعراء
العربية ونقد رجال السياسة.
ومن هذه المداحض بعض ما يضعونه من الأصول والقواعد الواهية لطبائع
الأمم وأحوالها الاجتماعية ويرجعون إليها في نقدهم، كالذي كانت الشعوبية تقوله
في ذم العرب، ومنه بعض ما قاله الحكيم ابن خلدون بسريان دعايتهم في رأيه على
استقلاله فيه، وبنى عليه زعمه أن أكثر حملة العلم في الإسلام من العجم، دع ما
تخرص به بعض علماء الإفرنج من المستشرقين وغيرهم في هذا الباب، وهو ما
يعتمد عليه مقلدتهم منا في نقدهم التحليلي، تراهم يعرفون بداوة العرب ويجهلون
حضارتها القديمة في جزيرتها، ولا سيما السعيدة منها، وفعل جواليها في الحضارات
الكلدانية في العراق والفينيقية في سورية والمصرية في مصر.
ومن فروع الأغلاط الراجعة إلى هذه الأصول التي أخذها كثيرون بالتسليم
فجعلوها من القضايا البرهانية، قول بعض السابقين: إن سبب وضع علماء
الأعاجم لأكثر معاجم اللغة العربية ولكتب فلسفتها من النحو والبلاغة هو شعورهم
بالحاجة إليها لفهم هذه اللغة التي كان يفهمها أهلها بالسليقة.
وهذا قول باطل فمن ثم كان تعليله باطلا، فإن الواضع لأول معجم للغة هو
الخليل بن أحمد وهو عربي، وأكثر واضعي سائر المعاجم من العرب كالفيروزآبادي
وهو قرشي صديقي، وابن سيده وهو عربي أندلسي، وابن منظور وهو عربي
أنصاري خزرجي، ولا تتسع هذه المقدمة للتمثيل لسائر العلوم اللغوية الشرعية.