تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دين المسيح عيسى بن مريم فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية

بالكلية إلخ.

(ورابعا) إن فرضنا أنهم كانوا على دين المسيح، وأنه ظهر لهم بعد

استيقاظهم وخروج أحدهم من الغار علامة الصليب، فإن هذا لا يكون معارضا

للقرآن، فكلام الله هو الحق، ومخالفه هو الباطل، لا فرق فيه بين قديم وجديد

فالمتقدمون كانوا يكذبون كالمتأخرين، وقد يكذب غيرهم من بعدهم عليهم وعنهم

وإنما جئت بهذه القضايا الكلية ليقاس غيرها.

29- رسل أصحاب القرية:

إن أكثر المفسرين نقلوا ما أشرتم من تفسير أصحاب القرية وأنها أنطاكية وأن

الرسل الثلاثة الذين جاءوها هم رسل المسيح، ومنبع هذه الروايات كعب الأحبار

ووهب بن منبه اللذان بثا في المسلمين أكثر الإسرائيليات الخرافية، وابن عباس

رضي الله عنه قد روى عن كعب. وقد فند الحافظ ابن كثير هذه الروايات من ثلاثة

وجوه (أحدها) أن ظاهر القصة أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل لا رسل

المسيح إلخ. (ثانيهما) أن أهل أنطاكية التي أرسل إليها المسيح رسله قد آمنوا،

بل كانت أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت مركز بطركية إلخ (ثالثها) أن الله

تعالى قد أخبر أن أهل هذه القرية قد أهلكهم الله تعالى بصيحة واحدة فإذا هم

خامدون، وقد ثبت أن الله تعالى لم يهلك بعد نزول التوراة أمة من الأمم بعذاب

الاستئصال إلخ، فراجع القصة في المجلد السابع من هذا التفسير (طبعة المنار)

ولا تنس أن بولس كان عدوا للمسيح، وإنما أظهر الإيمان لمن يسمونهم الرسل بعد

رفعه، وبرنابا هو الذي قدمه لهم.

30 - حكم الذين يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم

وبقصة الصلب:

إن من ذكر السائل من أصدقائه الذين يؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

ورسالته، وبأن المسيح رسول أيضا لا إله، وهم مع ذلك يصدقون قصة الصلب لا

بد أن يكونوا يفهمون أن قوله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾ (النساء: 157)

لا يدل على نفي هذه القصة من أصلها، بل يتأولون نفي الصلب بنفي قتله وموته

به كما يدعي النصارى لإثبات عقيدة الفداء الوثنية، فعلى هذا يجوز عندهم أن

يكون الصلب الصوري وهو التعليق على الخشبة قد حصل، ولكن لم يكن مفضيا

إلى موته عليه السلام، بل أنجاه الله ورفعه إليه، وإنني رأيت بعض المسلمين

يعتقد هذا لظنهم أن قصة الصلب متواترة تواترا حقيقيا فهي قطعية يجب تأويل

ظاهر الآية للجمع بين القطعيين كما إذا قيل فلان شنق وقتل شنقا؛ لأنه ثبت قطعا

تعليقه بحبل المشنقة، وكان سقط مع الحبل أو أفلت منه فنجا ولم يقتل كما يقع

كثيرا، ففي مثل هذه الحالة يكون صادقا من يقول: إنه لم يقتل ولم يشنق، وما

قتلوه أو ما شنقوه بل أنجاه الله، وقبول هذا التأويل أهون من تكفير من يتأول

ظاهر الآية عن اعتقاد، والمخرج من هذا الوهم أن يعلموا أن قصة صلب المسيح

غير قطعية وغير متواترة، وأن المسيحيين اختلفوا فيها من العصر الأول. وقد

بينا هذا بالدلائل الواضحة في تفسير الآية، وجمعنا ذلك في رسالة طبعت على

حدتها باسم (عقيدة الصلب والفداء) ونشرنا معها بحثا في تأييد قولنا للدكتور محمد

توفيق صدقي رحمه الله تعالى.

31- مسيح اليهود المنتظر والمسيح الحق:

مسألة مسمى التوراة عند الفريقين مسألة طويلة معقدة، وأما مسألة المسيح

فاليهود يعتقدون أن مسيحهم المنتظر ملك مؤيد من الله تعالى يعيد لهم ما سلب منهم من

ملك سليمان لا نبي مرسل، والنصارى يعتقدون ما علمت، والبشارات في كتبهم

إشارات ورموز يحملها النصارى على الملك الروحي، واليهود على الملك السياسي

والمالي! !

وقد فصلنا المسألتين في تفسير المنار فراجعهما فيه مع حقيقة التوراة.

32- عداوة اليهود ومودة النصارى للمسلمين:

قد بينت في تفسير آية المائدة في هذا الموضوع أنها نزلت في يهود الحجاز

ونصارى الحبشة وموضوعها العداوة والمودة لا العقيدة، فراجعه. وأما قولكم: إن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٠٤