تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذ كان ينفخ على الشيء كمنقوع الشاي والقهوة وعلب التبغ فتصير رائحتها مسكية.

وقد أخبرني المشير العثماني أحمد مختار باشا الغازي عنه ببعض ما وقع له

في أثناء زيارته لمصر وإقامته في قصر القبة ضيفا عند الخديو محمد توفيق باشا

الذي استحضره من طرابلس لأجل استشفاء بنت له مريضة برقيته وبركته بعد أن

عجز عن مداواتها الأطباء فشفيت، والمسألة مشهورة في طرابلس الشام وعند

الخواص في مصر.

قال لي مختار باشا: إن الشيخ العمري كان يزورني بعد العصر في كل يوم

فيشرب الشاي معي ثم نخرج إلى التنزه في الجزيرة ونعود عند الغروب فيذهب هو

إلى قصر القبة وأجيء أنا إلى قصر الإسماعيلية هنا (حيث حدثني) .

قال: فكان إذا أحضر الشاي ينفخ على الإبريق والفناجين فنجد للشاي رائحة

المسك، فقال لي شوقي باشا: (هو زوج بنت الغازي ووالد وزير الجمهورية

التركية المفوض بمصر اليوم) في إحدى الليالي: إن المسك طيب شرقي أو عربي

معروف ويمكن للشيخ أن يرش شيئا من مسحوقه في الشاي بخفة لا نشعر بها، فإذا

كان هذا التعريف (التطييب) للشاي أمرا روحانيا أي يحدث بالتوجه الروحي

المعروف عند الصوفية، فلماذا لا يطيبه لنا بعطر كذا الإفرنجي (وذكر لي الباشا

اسم عطر إفرنجي لم أحفظه) .

قال: فلما كان اليوم التالي وجاءنا الشيخ علي العمري وأحضر الشاي نفخ عليه

أو فيه فإذا رائحته هي رائحة الطيب الذي ذكره شوقي باشا ليلا ولم يكن معنا أحد.

أقول: وقد كنت بعد ذلك أشم أحيانا هذه الرائحة في الدار وغيرها، ثم تذهب

من نفسها بسرعة، وقد يكون بعد السؤال مني لمن في الدار: هل تشمون رائحة

طيب؟ فيقال: لا، وقد عرض لي في رمضان شيء من هذا القبيل لا أذكره،

وكان قبل سلوك الطريق، ولكن كنت ربما أقرأ في النهار منه ختمة كاملة في حقل

لنا.

* * *

تحقيق مسألة رؤية الأرواح

وجملة القول: أنني ما زلت أعالج هذا الأمر حتى أمكنني أن أعرف الفرق

بين استحضار الصوفية للأرواح ورؤيتها، وما يحكيه الإفرنج من ذلك، والفرق

بين التخيل المحض والكشف الصحيح، وما يكون في يقظة تامة وهو لا يعدو

اللمحات القصيرة، وما يكون من غيبة عن الحس، وهو ما يسمونه بين النوم

واليقظة كما قال بعضهم.

ومن يدعي في هذه الدار أنه ... يرى المصطفى جهرا فقد فاه مشتطا

ولكن بين النوم واليقظة الذي ... يحاول هذا الأمر مرتبة وسطى

وعلمت من الفرق بينها ما أعتقد أنه أصح مما نقله ابن المبارك عن شيخه

عبد العزيز الدباغ، ومنه ما وقع لشيخنا الأستاذ الإمام، وأن ما يسمعه الرائي من

الأرواح في هذه الغيبة هو مثل الذي يرونه ويسمعونه في الرؤى المنامية لا يوثق

بصحته ولا بضبطه، بدليل أن كل ما نقل عن أشهر الروحانيين منهم متعارض

يدل على أنه كان على قدر معارفهم ومعلوماتهم وما يناسبها من مداركهم، كما

أشرت إليه في جواب من سألني عن دعوى شيخ التيجانية وتخريفه ونشرته في

فتاوى المجلد الثاني والثلاثين من المنار ص99، فسأل عنه بعض أتباعه مجلة

الأزهر فردت علي بما لا تعقله من علم الصوفية ولا من علم الشرع، فالحق ما قاله

علماء الشرع من أن الرؤى والكشف لا يعتد بهما شرعا، ولا يحتج بما يرى ولا

بما يسمع فيهما.

ويعجبني ما نقله الشعراني عن شيخه علي الخواص في كتابه الدر والجواهر

أنه سأله لماذا يؤول العلماء ما يشكل من كلام الأنبياء دون ما يشكل من كشف

الأولياء فيردونه؟ فقال: لأن النبي معصوم فلا بد من حمل كلماته على الصحة

والولي غير معصوم، فيحتمل كلامه الخطأ. اه بالمعنى، ولكن الباجوري نقل

عنه في حاشيته للسنوسية ضده، وإذا حكمنا الشرع حكم لنقله الأول وهو الحق.

* * *

الروحانية والتجرد

وخطاب أرواح البشر والشياطين

كان مما وقفت عليه من أسرار النفس غير ما تقدم من تجلي الأرواح مسألة

التجرد وغلبة الروح على الجسد التي تنتهي إلى ما ينقلونه في بحث الكرامات من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤٥