مشترك يسمى الختم، وهو عبارة عن اجتماع من كان حاضرا من أبناء الطريقة
على ذكر وقراءة لبعض سور القرآن والتوجه إلى استحضار بعض أرواح سلسلة
الطريقة مع تغميض العينين، واستحضار الروح لا يتضمن شيئا من عبادتها بدعاء
ولا تعظيم تعبدي، والاستمداد الروحي ليس عبادة بالفعل ولا بالقصد، إلا أن يكون
من جاهل بالشرع شيخه أجهل منها وأضل سبيلا، وإنما هو من قبيل ما يحكى عن
الإفرنج من ذلك، وقد سبقهم إليه الصوفية، وسأذكر بعض ما حققته فيه. ولكنه لا
يخلو من مثار فتن دينية، وخوف اختلال في القوى العقلية، بما يعرض للجاد
المجد فيه من العوارض غير الطبيعية، ولذلك اتفق الصوفية العارفون على أنه لا
يجوز سلوك طريقة الرياضة عندهم إلا بإرشاد شيخ عارف.
قد سلك الطريف ثم عادا ... ليخبر القوم بما استفادا
* * *
ما يعرض لسالك الطريق
من الأمور الروحية الغريبة
أول ما عرض لنا من ذلك أن كانت تتمثل لنا ونحن في الختم مغمضي
الأعين صورة من يذكر الشيخ اسمه من رجال السلسلة لعقد الرابطة به وأعلاها أبو
بكر الصديق رضي الله عنه، وفوقه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان هذا بعد
تكرار، وكنت أعتقد أنه خيال يثيره التخيل، ويدعي الشيخ أن الروح نفسها
تحضر الختم وتتجلى للمستعد، وكل شيوخ الطريق يدعون هذا ويزعمون أن روح
النبي صلى الله عليه وسلم تحضر مجالسهم، فمنهم الكاذبون الدجالون، ومنهم
المتخيلون الممثلون، وقد أطلت في تحقيق هذه المسألة في بحثي الفياض في
الكرامات، الذي كتبته في كتابي (الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية)
الذي ألفته وأنا تلميذ ثم عدت إليه في المجلد الثاني من المنار ثم في المجلد السادس
منه، ثم ألممت به في مجلدات أخرى.
ثم عرض لي ولغيري في أثناء استحضار هذه الأرواح بالتخيل أن نميز بينها
باختلاف صورها ونشم للروح رائحة عطرية منعشة لا نظير لها فيما يعرف من
الأعطار. فكنت في أول العهد بها أظن أن الشيخ يحفظ في جيبه قارورة أو حقا فيه
هذا النوع من العطر فيفتحها في أثناء الختم ولا يراه منا أحد، وهذا من خواطر
السوء في الشيخ لا تبيحه آداب الطريقة، بل هو من عوائق السلوك، ولكن
الرائحة لم تكن تستمر، ثم صارت تعرض لي في أثناء وردي الخاص، فأظن أنها
ذكرى في النفس، تعدى أثرها إلى الأنف بالوهم، وبعد التكرار اعتقدت أن ما
يقوله كبار الصوفية من أن للأرواح الشريفة الزكية العالية رائحة طيبة ذكية صحيح،
وأن تجلي الأرواح صحيح في الجملة.
ومما كنت قرأته في الفتوحات المكية للشيخ محيي الدين بن عربي (وهو من
أكابر الصوفية الروحانيين على ما عرض له من الاختلال في معلوماته الدينية
والكشفية) أن الشيخ عبد القادر الجيلي كان يعرف مقامات الرجال العارفين بالشم
وأنه شم محمد بن قائد فقال له: لا أعرفك، وكان ابن قائد يرى لنفسه مقاما عاليا
فعرف من إنكار عبد القادر له قصوره، فعلت همته حتى صار من الأفراد.
ويذكر في رحلة الشيخ عبد الغني النابلسي الصوفي الفقيه المشهور أنه لما جاء
طرابلس ترجل قبل أن يبلغ مقبرتها في المكان المعروف بباب الرمل فترجل من
معه وسألوه عن السبب فقال: إننا قربنا من مكان فيه بعض قبور الروحانيين.
ومما أخبرني به صديقي الأستاذ المصدوق الشيخ محمد كامل الرافعي أن والده
الشيخ عبد الغني كان يشم لبدنه ولثيابه رائحة مسكية في أثناء خلوته وانقطاعه فيها
لذكر الله تعالى، ومما يتناقله أهل القلمون أنه لما نبش قبر السيد أحمد أخي جد
والدي الذي تقدم ذكره، وأن مصطفى آغا بربر تزوج ابنته كانت رائحة ترابه ذكية
كالمسك حتى إن بعض الناس أخذوا منها في جيوبهم ما يحفظونه في بيوتهم.
وأخبار الشيخ علي العمري الطرابلسي المعاصر لنا في الرائحة كثيرة،
ووقائعه فيها مشهورة في طرابلس والآستانة ومصر وكانوا يسمونه شيخ المسك،