تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المشي على الماء والطيران في الهواء، ومن دون ذلك قطع المسافات في زمن قليل،

ذلك أنني كنت في أثناء شهر رمضان لا أذكر من أي سنة أتحنث وأطالع الربع

الرابع من إحياء علوم الدين فلما كان آخر يوم منه بلغت كتاب التوحيد والتوكل،

وقد أحييت معظم ليلة عيد الفطر بالتكبير مع جماعات من أهل بلدنا الذين يبيتون في

المسجد كيلا تفوتهم صلاة العيد، وكان منهم شيخ كبير السن عاش في صباه

وكهولته عزيزا منعما وافتقر وذل في شيخوخته فكان لرفع صوته الأجش بالتكبير

مع شيبته التامة ضراعة خشوع مؤثرة، حتى إذا كان السحر صليت صلاة الليل

والوتر إحدى عشرة ركعة وفاقا للسنة الصحيحة كالعادة، وعدت بعد صلاة الفجر

إلى التكبير مع الناس في المسجد إلى وقت صلاة العيد، وبعد أدائها صعدت إلى

غرفة خلوتي وأتممت قراءة ما بلغته من الإحياء، وفيه ذلك البحث البليغ العظيم

التأثير في الفناء في التوحيد فما أتممته إلا وشعرت بأنني في عالم آخر من اللذة

الروحية، وأنه لم يبق لي وزن فكأني روح بغير جسم، ثم عدت أرجع إلى حسي

فذكرت ما علي من الذهاب إلى تهنئة والدي بالعيد، وكان يزور قبر والده وأجداده

بعد الصلاة ويقرأ سورة يس، ثم يمد له سماط فيفطر مع من يوجد من الفقراء ومن

شاء من غيرهم، فنزلت من الغرفة وكأنني ريشة طائر وشعرت بأنني لو ألقيت

بنفسي من النافذة إلى الأرض لا أكون إلا كما تقع الريشة، وأنه يمكنني المشي على

الماء دون الطيران في الهواء، واعتقدت بل أعتقد حتى اليوم أنني لو تركت الطعام

زمنا طويلا مع ملازمة مثل تلك الحال من الذكر والعلم الإلهي الأعلى لقويت معي

تلك الروحانية ووصلت إلى غاية ما يذكر عن الروحانيين، ولن يكون ذلك لو كان

إلا كشفا لشيء من استعداد الأرواح قد يفقد صاحبه ميزان بشريته التي هي جسد

وروح، فما تعلقت ذلك ولا تكلفته وما كنت متكلفا في شيء من أمري، ولله الحمد.

ولم أكن أذكر مثل هذه الأحوال لأحد كما هو شأن الصادقين المخلصين الذي

قرره الغزالي وغيره ومنه كتمان كل ما هو غير معتاد، والصوفية الصادقون

متفقون على هذا، وعلى أن مبادئ هذه البوارق واللوائح والأذواق مشوقات

منشطات للسالك، وأن الذي يغتر بها ينقطع وإلا فقل هو هالك، وقد نفعني ما كنت

قرأت في كتاب الغرور من الإحياء، ولا سيما غرور الصوفية قبل ذلك. ثم رأيت

شيخنا الأستاذ الإمام عليه، كان يقول: إن هذه أحوال غير طبيعية لا يجوز

التحدث عنها إلا مع أهلها؛ لأنها تكون لغيرهم فتنة، وإن الشيخ محيي الدين قد

أفسد التصوف بإطلاق العنان لقلمه بشرح كل ما يعرض له، وأنه انقطعت معه

سلسلة التوازن فخلط الحق بالباطل.

وهذا الذي كان يراه شيخنا هو الحق، فإن الذين أوغلوا في الروحانيات قد

فتنوا أنفسهم وفتنوا كثيرا من الناس، واختل ميزان عقلهم فيما يتصورون، وفيما

يصدقون، وفيما يقولون ويكتبون، كما تراه في كتب الشعراني من الخرافات

والخيالات التي لا يميز فيها بين معقول ولا مشروع، وفي مقدمة صحيح مسلم عن

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم

إلا كان لبعضهم فتنة) .

ومما افتتن به الجماهير من الناس بهؤلاء الروحانيين ظنهم أن كل من يصدر

عنه أمر خارق للعادة يكون وليا معصوما وإن ضل وغوى، وخرف وهذى، وإن

له عند الله ما يشاء في الدنيا، والحق الذي عرفناه بوزن الكشف بميزان الشرع

والعقل أن الذي تعرض له بعض المزايا الروحانية، من عملية أو علمية، هو

كالباحث الذي تكشف له بعض الحقائق الكونية، والاختراعات الصناعية، كل

منهما بشر يخطئ ويصيب في كل علم وحال وعمل، وتحكم عليه الشهوات

والخرافات والأهواء في غير ما أصاب فيه، وما تسمعه من الجاهلين بالقرآن من

زعمهم أن قوله تعالى: ﴿لهم ما يشاءون عند ربهم﴾ (الزمر: 34) يراد به

هؤلاء الذين تصدر عنهم بعض الغرائب الروحانية من صحيحة أو وهمية، فراجع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤٦