وتوهمهن أن منها المساواة في الحب، وفي أمره الناس بأن يهدي إليه من شاء منهم
حيث كان من بيوتهن، فكان من تربية الوحي لهن ما ذكرنا آنفا من تهديد زعيمتيهن
عائشة وحفصة وإنذارهن الطلاق وإبدال ربه إياه خيرا منهن، ثم ما خاطبه به في
الآية الخمسين من سورة الأحزاب من أنه أحل له أزواجه اللائي تزوجهن بمهورهن
وغيرهن من قريباته المهاجرات وما أفاء عليه من ملك اليمين ومن تهبه نفسها
ليتزوجها بدون مهر خاصا به، مع بقاء ما فرضه على سائر المؤمنين من المهور،
وتقييد الزواج بأن لا يزيد على أربع نسوة في حال القدرة مع العدل والمساواة،
وعلى واحدة عند الخوف من الظلم، وكان بعض النساء يهبن أنفسهن له صلى الله
عليه وسلم وبعضهن يعرضن عليه قريباتهن حتى نهاهن عن ذلك [*] ، ثم أفتاه الله
تعالى في الآية التي بعدها برفع الحرج عنه في معاملة أزواجه كلهن بما يشاء ليعلمن
أن مساواته بينهن فضل منه صلى الله عليه وسلم عليهن وإحسان بهن لا واجب
عليه من الله تعالى لهن لئلا يعدن إلى مثل ما كان منهن قال تعالى {ترجي من تشاء
منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن
تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان
الله عليما حليما} (الأحزاب: 51) .
رفع الله عن نبيه بهذه الآية ما فرضه على أمته من القسم والمساواة بين
الأزواج، وأباح له ما يشاء من إرجاء نوبة بعضهن أي تأخيرها، وإيواء من شاء
إليه متى شاء، وعزل من شاء وإبعادها؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم ظل على ما
كان من مساواته بينهن بالعدل، فرضين منه لأنه بمحض الفضل، ولم يتزوج
عليهن أحدا ممن أبيح له في الآية التي قبلها، ولو كانت رغبته في تعدد الأزواج
للاستمتاع بهن لفعل ولاختار حسان الأبكار على الثيبات.
ولما نزلت هذه الآية قالت عائشة له كلمة شاذة لعلها أشذ ما صدر عنها من
إدلال وحب الزوجية وغرارة الحداثة، قالت له: ما أرى إلا أن ربك يسارع في
هواك [31] ، تعني بهواه رغبته وميله النفسي، فقابل صلى الله عليه وسلم هذه
الكلمة الجريئة النابية عن الأدب بحلمه الواسع حتى علمت عائشة وغيرها أنه صلى
الله عليه وسلم لم يكن له أدنى هوى نفسي في هذه التوسعة عليه؛ فإنه لم يعمل بها؛
وإنما كانت لأجل تربيتها هي وسائر أزواجه وإقناعهن بكمال عدله فيهن وفضله
عليهن فيما لم يوجبه ربه عليه.
وكانت عائشة على حداثتها قوية الإيمان والإجلال له صلى الله عليه وسلم؛
ولكن الغيرة النسائية كانت تغلب على وجدانها، ولقد أقنعتها حفصة في سفر لهما
مع النبي صلى الله عليه وسلم بأن تستبدل بعيرها ببعيرها ففعلت فرأته صلى الله
عليه وسلم يكلم حفصة ظانا أنها عائشة، فاشتعلت نار غيرتها فلما نزلت وضعت
رجلها في الإذخر (نبات معطر معروف) وصارت تدعو الله أن يرسل عليها حية
أو عقربا تلدغها وتقول: إنه نبيك ولا أستطيع أن أقول له شيئا، رواه البخاري.
روت معاذة عن عائشة قالت: إن رسول الله كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد
أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ (الأحزاب: 51) ... إلخ، فقلت
لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له إن كان ذلك إلي فإني لا أريد يا رسول
الله أن أوثر عليك أحدا [32] ، وفي رواية لم أوثر أحدا على نفسي، فأين هذا
الجواب من إنكارها عليه مد يده إلى زينب لمصافحتها في بيتها ومن تجسسها عليه
إذ أبطأ في زيارته لها يوم شرب العسل عندها؟
(يتبع)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) الفرصة الممسكة: بتثليث الفاء قطنة أو صوفة مطيبة بالمسك.
(2) هي أنصارية أيضا، وقيل إنها الأولى نفسها، وشكل بفتح المثلثة والكاف وقيل إنه محرف.
(3) السدر: بالكسر شجر النبق وكانوا يدقون ورق البستاني منه دون البري ويستعملونه في الغسل؛ لأنه نبات منظف كالصابون، وقوله فتطهر بفتح التاء أصله تتطهر وتحذف إحدى التاءين من مثله للتخفيف.