بأعباء الدين، وإصلاح أمور المؤمنات والمؤمنين، وثواب الدار الآخرة، تؤثرنه
على نعمة الدنيا العاجلة؛ فإن الله قد أعد للمحسنات منكن في ذلك أجرا عظيما هو
أعظم وأكبر مما أعده للمحسنات من سائر المؤمنات، وقد بين هذا في الآيات التي بعد
هذه، وهي وما سبق من أسباب نزولها تدل على افتراء أعداء الإسلام الذين يقولون
إن هم محمد من حياته التمتع باللذات والشهوات، وأنه لذلك أكثر من الزوجات.
40- تأديب الله لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم
وتعليمهن ما يراد منهن
أمر الله تعالى رسوله أن يبلغ أزواجه ما ذكر من التخيير على أنه من ربه لا
من عند نفسه، ووصل الأمر بمواعظ وحكم عرفهن بها منزلتهن وتفضيلهن على
سائر النساء بجعلهن قدوة لهن في التقوى وحسن معاملة الأزواج، بما أتاحه لهن من
معاشرة مصلح البشر الأعظم محمد رسول الله وخاتم النبيين وما يتلقينه عنه من
آيات الله والحكمة، وما يشاهدنه من معاملته وعلو أخلاقه من الأسوة الحسنة، وأن
مقتضى ذلك أن يكون أجرهن على العمل الصالح مضاعفا، وعقابهن على الأعمال
الفاحشة مضاعفا، على قاعدة الغرم والغنم، وكون الذي يقتدى به في الخير له
أجره ومثل أجور من يقتدون به فيه، والذي يقتدى به في الشر عليه وزره ومثل
أوزار الذين يقتدون به فيه، وفي ذلك حديث نبوي في صحيح مسلم معروف، ولو
كانت سيرة أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم فاسدة لفسدت سيرة سائر المؤمنات،
بل لكان ذلك من أسباب فساد اعتقاد كثير من الرجال، قال الله عز وجل مخاطبا
لهن: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان
ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها
مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما * يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا
تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن
ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى
في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} (الأحزاب: 30-
34) .
الفاحشة المبينة هي الفعلة الظاهرة القبح كالكذب في مسألة العمل دون الهفوة
واللمم بما قد يخفى قبحه على فاعله، والقنوت لزوم الطاعة مع الخضوع وإذعان
النفس، والعمل الصالح أعم منه، والتقوى اتقاء مخالفة الله ورسوله وكل ما تسوء
عاقبته، والخضوع بالقول لين الكلام الأنثوي الذي يطمع الرجل الخبيث الضعيف
الإيمان في المرأة لارتيابه في عفتها - والقول المعروف هو الحسن البريء من
الريبة الذي لا ينكر نزاهة قائلته من يسمعه ﴿وقرن في بيوتكن﴾ (الأحزاب:
33) أمر من القرار أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن منها لغير حاجة - والتبرج:
التبختر مع إظهار الزينة لجذب الأبصار وهو من منكرات الجاهلية القديمة،
والرجس الدنس المعنوي وهو كل ما يمس الدين أو الشرف، وقوله: {إنما يريد
الله ليذهب عنكم الرجس} (الأحزاب: 33) تعليل لهذه الأوامر والنواهي كلها؛
فإن امتثالها ينافيه وتتم به الطهارة بأكمل معانيها، وذكر الضمير (عنكم) ليشمل
صاحب البيت صلوات الله وسلامه عليه فإن شرف أزواجه شرف له، فإن علق
بإحداهن رجس أصابه ألمه وعاره - أعلى الله كرامته ونزه ساحته - وقد يشمل
بعمومه سائر أهل بيته غير نسائه المقصودات بالذات، وتؤيده بعض الروايات،
وآيات الله كتابه وبراهينه، والحكمة المعارف المعقولة المرقية للعقول المزكية
للنفوس، الحاملة لها على معالي الأمور.
41- توسعة الله على نبيه صلى الله عليه وسلم
بما تكمل به تربية أزواجه
بالغ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في التضييق عليه بباعث الغيرة
وجرأهن عليه حلمه الواسع ولطفه، واعتقادهن أن المساواة بينهن واجبة عليه،