وسعها من الجهد في مباراتها، والحق أحق أن يقال، إنه بعدما تملك صديقنا العزيز،
ورفيقنا في طلب العلم، ورديفنا في تلقي الدروس، وشريكنا في الشيوخ وأولنا
في الجمع بين علوم الشرق والغرب الشيخ ضياء الحسن العلوي الندوي زمام مفتش
عام تفتيش المدارس العربية ورياسة امتحاناتها في ولايتنا البلاد المتحدة صار لهذه
المدارس العربية وامتحاناتها في العلوم الشرقية طور آخر، ودور زاه زاهر؛ فإنه
أدخل فيها تعديلات نافعة، واتخذ لإصلاح أمرها تدبيرات ناجعة، فجعلها متسقة
النظم، ومتحدة النظام، وانتقى لها مناهج درس، وقوائم كتب، تضمن بالنجاح،
وتؤذن بالفلاح، فجعل فيها للأدب العربي محلا يليق به، وألزم متعلمي المدارس
العربية الكتابة وإنشاء المقالات بالعربية.
وكذلك فعلت رياسة المدارس العربية في ولاية بنجاب، فجعلت الكتابة
والإنشاء بالعربية من مواد امتحاناتها الشرقية التي لا غنى عنها لطالب.
وتلتها الجوامع الإنكليزية الرسمية؛ فإنها أدخلت تحسينات نافعة في فرعها
العربي بأيدي أساتذة فضلاء دكاترة في العلوم العربية نالوا شهادة الدكتورية من
جوامع ألمانيا وإنكلترة، ولهم يد بيضاء في استبدال المناهج الجديدة المفيدة
بالمناهج القديمة العقيمة، وقد أسفرت مساعيهم عن نتائج ذات بال، ولجامعتي
لاهور ودهاكة خطوة في هذا السبيل بعيدة الشوط، وتبعتهما جوامع اله آباد ولكنؤ
وبتنة وكلكتة، واهتمت بها من المعاهد العربية التي للحكومة الكلية الشرقية
بلاهور ومدرسة شمس الهدى ببتنة، والمدرسة العالية بكلكتة.
وأشد الجوامع الإنكليزية اعتناء باللغة العربية جامعة دهاكه؛ فإنها خصصت
لها قائمة درس تدرس فيها اللغة العربية وعلومها مع بعض العلوم الجديدة واللغة
الإنكليزية، وتمنح الناجحين فيها شهادة تؤهلهم للدخول في كل ما يمكن الدخول فيه
للناجحين في العلوم الإنكليزية المحضة من الوظائف والمناصب، أما جامعتنا
الإسلامية بعليكرة فأرادت أن تقتفي أثر جامعة دهاكه في جعل العربية وآدابها فرعا
لها خاصا فقررت لجنة لتحقيق أمنيتها، ونيل بغيتها، وعسى أن تأتي بأثر يذكر،
وعمل يشكر، وأما الجامعة العثمانية بحيدر آباد الدكن فهي أكثر الجوامع إنفاقا على
فرعها العربي وأشدها اهتماما بأمره، وإكراما للناجحين في علومه وآدابه،
وأسخاها منحا بالمناصب والوظائف لهم.
هذا، ولكن هذه الأموال المنفقة، والجهود المفرغة، تكاد أن تذهب سدى،
ولا تأتي بجدوى؛ لأن جو الهند غير عربي، يكدر فضاءها زعازع هوجاء من
العلوم الإفرنجية، والآداب الإنكليزية، فتحدق بالطلبة الصحف الأردية، والجرائد
والمجلات الإنكليزية، وترد عليهم النشرات الأردية والإنكليزية تترى فلا تدع لهم
جانبا فارغا للعربية، فلا تجد للهند صحيفة عربية يقرءونها ولو مرة في الشهر،
ويكتبون فيها ولو مرة في السنة، فيتمرنون في الإنشاء العربي، ويحذقون فيه
ويسهل عليهم الكتابة في اللغة العربية، ويستطيعوا إبداء المعاني العلمية غير
الخيالية التي يقرءونها في الكتب، فيخيل إليهم من سحرها أنهم في جيل غير جيلهم،
ويقتدروا على إبراز المعاني المستحدثة في طراف حلل تسر الناظرين، وتجري
أقلامهم في نقد السياسة والأخلاق ونشر التربية والتعليم، وسرد الأنباء والحوادث،
وقرض الشعر ونسج الأدب، ويضربوا بسهم نافذ في معرفة الآداب العربية
المستطرفة المستظرفة، ويتمكنوا من الخوض في كل موضوع، والاستغراف (؟)
من كل حوض، وتكون لهم صلات متواصلة بالبلاد العربية، فتقوى بها بينهم
وسائل التعارف والتداني، ووسائط التصافح والتصافي، ولا تغني عنهم الجرائد
والمجلات العربية التي تجلب من البلاد الأجنبية، لبعد شقتها، وغلاء أثمانها،
واختلافها عن ذوق متعلمي العربية بالهند ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾ (سبأ: 52) .
فذلك ما دعانا إلى إصدار مجلة عربية، واضطررنا أن نتحمل هذا العبء