تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي لغة نبيها المصطفى، ودينها المرتضى، وكتابها المنتقى، وهي لغة علومهم،

وآدابهم وحضارتهم، ولها أهل يحمون حوضها، ويذبون عن حماها، فهي تبقى

معهم مهما بقوا، وترحل معهم أينما رحلوا، وتحل معهم بأي أرض حلوا، وهي

تجمع بين دفتيها دفاتر أربعة عشر قرنا، فيها الدين والشرع، والرواية والأثر،

والتاريخ والخبر، والشعر والأدب، والجد واللعب، تلم بين طرفيها شعث ما تركه

سلفهم، وكسبه خلفهم، وما جادت به طبائعهم، وفاضت به ينابعهم (؟) وفاهت

به مجامعهم، وزرعته أفهامهم، وحصدته أقلامهم، وما أبدعوا من أنواع الطرف،

وما أودعوا من أوراق الصحف، فلغتهم هذه كنز خير لهم لا يفنى، وثوب فخر لهم

لا يبلى.

لا تكاد تجد قرية احتلها المسلمون من بلاد الأرض إلا وفيها رجال ينطقون

بالضاد ويتغنون بالقرآن، ويفهمون لغة قريش، ويتدارسون آداب العرب، وإن

كانت في لسانهم عقدة، وفي بيانهم عجمة، هذه بلادنا الهند فيها نحو من ثمانين

مليونا من المسلمين، وفيها نحو من مليون ممن يفهم لغة القرآن ويعرفها، وإن لم

تكن لهم قدرة على التكلم بها، وتقدر مدارسهم العربية بألف من صغارها وكبارها،

وطلبة العربية فيها نحو من مائة ألف أو يزيدون؛ فإن صقعا واحدا من أصقاع الهند

يعرف ببلاد بنغال يضم بين جناحيه ستين ألفا من طلبة العلوم العربية وتلامذتها،

وتجد في مدينة واحدة وهي دهلي عاصمة الهند نحو مائة مدرسة عربية بين صغيرة

وكبيرة أثراها مدرسة جامع فتحبوري، وأعمرها المدرسة الأمينية، وتلقى في

مدرسة واحدة وهي المدرسة العالية في ديبوند أكثر من خمسمائة طالب تدر على

أكثرهم المدرسة رواتب شهرية تفي بمآكلهم وملابسهم، ودع عنك دار علومنا التي

قامت بتأسيسها ندوة العلماء بلكنهؤ فهي أحدثها عمرا، ولكل منها من المزايا ما لا

يخفى على ذي عينين.

وعلى ذلك ما يؤلمنا ذكره، ويشوكنا نشره، أن هؤلاء الجم الغفير، والعدد

الوفير، أكثرهم بكم عن التكلم (؟) باللغة العربية، ولهم عي عن الكتابة البديعة

السلسة المنسجمة فضلا عن الخطابة فيها مرتجلين، وليست كتابتهم إلا في أمور

طفيفة من الفقه، أو أبحاث سمجة في المنطق، تمجها الآذان، ولا تسمن ولا تغني

من جوع العلم، وتنبو طباعهم عما تنشره الصحف والمجلات الأردية، فلا

يقرءونها، فيستفيدوا، فيحرمون من حظ وافر من العلم الذي يتزايد أمره كل يوم،

وينمو شأنه كل صباح ومساء، وزادك (؟) أسفا لو رأيت مناهج دروسهم العقيمة،

وما فيها من الكتب السقيمة، ذات الأساليب الرميمة.

وأول من تنبه لسد هذا الخلل، وملافاة هذا الخطأ، دار العلوم التي أسستها

ندوة العلماء بلكنهؤ، فأفرغت جهدها في تعليم اللغة العربية قديمها وحديثها كتابة

وخطابة، وزادت في قائمة درسها كتب الأدباء المجيدين، من السلف الكرام

المجيدين، الذين كتبهم ينبوع الأدب، ومادة لغة العرب، مثل مصنفات ابن قتيبة

الدينوري، وعبد القاهر الجرجاني، وقدامة بن جعفر البغدادي، وأبي الهلال

العسكري، وجاحظ البصري، واستبدلت دواوين قدماء الشعراء بما تكلفته خواطر

المحدثين المتأخرين بعد القرن الرابع.

ثم وضعت بعض كتب ابتدائية لدرس المبتدئين، وألفت معجما جديدا يضمن

شرح الكلمات الداخلية والمعربة التي لا غنى عنها في فهم الجرائد والمجلات

العربية، وعينت معلما خاصا لتعليم اللغة الحديثة فيها.

وآثرت لتعليم الآداب العربية رجالا معروفين من العرب أنفسهم لكون اللغة لهم

طبعا وذوقا، ولنا تكلفا وتعمقا، فأسندت أولا رياسة أساتذة اللغة العربية إلى الأستاذ

العلامة الشيخ محمد طيب المكي، ثم إلى الأستاذ الفاضل الكامل الشيخ محمد بن

حسين الخزرجي اليماني رحمهما الله تعالى، وأخيرا يملأ هذا الفراغ فيها صديقنا

الأستاذ الكبير الشيخ تقي الدين الهلالي المغربي.

وقد كان لمسعاها دوي في سائر أندية المدارس العربية، وأخذت تبذل ما في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٦٥