20.77-98
المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى وفرعون، وتشير الآيات هنا إلى عناية الله تعالى بموسى وقومه، وإنجائهم وإهلاك عدوهم، وتذكرهم بنعم الله العظمى ومننه الكبرى على بني إسرائيل، وما وصاهم به من المحافظة على شكرها وتحذيرهم من التعرض لغضب الله بكفرها، ثم تذكر الآيات انتكاس بني إسرائيل بعبادتهم العجل، وقد طوى هنا ما فصل في آيات أخر.
اللغة: ﴿ دركا ﴾ لحاقا مصدر أدركه إذا لحقه ﴿ تطغوا ﴾ الطغيان: مجاوزة الحد إلى ما لا ينبغي ﴿ هوى ﴾ صار إلى الهاوية وهي قعر النار من هوى يهوي إذا سقط من علو إلى سفل ﴿ بملكنا ﴾ الملك: بفتح الميم وسكون اللام: الطاقة والقدرة ومعناه بأمر كنا نملكه من جهتنا ﴿ أوزارا ﴾ أثقالا ومنه سمي الذنب وزرا لأنه يثقل الإنسان ﴿ خوار ﴾ الخوار: صوت البقر ﴿ يبنؤم ﴾ أي يا ابن أمي واللفظة تدل على الاستعطاف ﴿ سولت ﴾ حسنت وزينت.
التفسير: ﴿ ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي ﴾ أي أوحينا إلى موسى بعد أن تمادى فرعون في الطغيان أن سر ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر ﴿ فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ﴾ أي اضرب البحر بعصاك ليصبح لهم طريقا يابسا يمرون عليه ﴿ لا تخاف دركا ولا تخشى ﴾ أي لا تخاف لحاقا من فرعون وجنوده، ولا تخشى الغرق في البحر ﴿ فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾ أي فلحقهم فرعون مع جنوده ليقتلهم فأصابهم من البحر ما أصابهم، وغشيهم من الأهوال ما لا يعلم كنهه إلا الله، والتعبير يفيد التهويل لما دهاهم عند الغرق ﴿ وأضل فرعون قومه وما هدى ﴾ أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى خير ولا نجاة، وفيه تهكم بفرعون في قوله
ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد
[غافر: 29] ﴿ يبني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ﴾ خطاب لبني إسرائيل بعد خروجهم من البحر وإغراق فرعون وجنوده والمعنى اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي العظيمة عليكم حين نجيتكم من فرعون وقومه الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي وعدنا موسى للمناجاة وإنزال التوراة عليه جانب طور سيناء الأيمن، وإنما نسبت المواعدة إليهم لكون منفعتها راجعة إليهم إذ في نزول التوراة صلاح دينهم ودنياهم ﴿ ونزلنا عليكم المن والسلوى ﴾ أي رزقناكم وأنتم في أرض التيه بالمن وهو يشبه العسل، والسلوى وهو من أجود الطيور لحما تفضلا منا عليكم.. وفي هذا الترتيب غاية الحسن حيث بدأ بتذكيرهم بنعمة الإنجاء، ثم بالنعمة الدينية، ثم بالنعمة الدنيوية ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ أي وقلنا لكم كلوا من الحلال اللذيذ الذي أنعمت به عليكم ﴿ ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ﴾ أي لا تحملنكم السعة والعافية على العصيان لأمري فينزل بكم عذابي ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ أي ومن ينزل عليه غضبي وعقابي فقد هلك وشقي ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ﴾ أي وإني لعظيم المغفرة لمن تاب من الشرك وحسن إيمانه وعمله، ثم استقام على الهدى والإيمان، وفي الآية ترغيب لمن وقع في وهدة العصيان ببيان المخرج كيلا ييأس ﴿ ومآ أعجلك عن قومك يموسى ﴾ أي أي شيء عجل بك عن قومك يا موسى؟ قال الزمخشري: كان موسى قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه ﴿ قال هم أولاء على أثري ﴾ أي قومي قريبون مني لم أتقدمهم إلا بشيء يسير وهم يأتون بعدي ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي وعجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمجيء إليه لتزداد رضى عني.
. أعتذر موسى أولا ثم بين السبب في إسراعه قبل قومه وهو الشوق إلى مناجاة الله ابتغاء لرضى الله ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ﴾ أي ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم ﴿ وأضلهم السامري ﴾ أي وأوقعهم السامري في الضلالة بسبب تزيينه لهم عبادة العجل، وكان السامري ساحرا منافقا من قوم يعبدون البقر قال المفسرون: كان موسى حين جاء لمناجاة ربه قد استخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، وأمره أن يتعهدهم بالإقامة على طاعة الله، وفي أثناء غيبة موسى جمع السامري الحلي ثم صنع منها عجلا ودعاهم إلى عبادته فعكفوا عليه وكانت تلك الفتنة وقعت لهم بعد خروج موسى من عندهم بعشرين يوما ﴿ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ﴾ أي رجع موسى من الطور بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة غضبان شديد الحزن على ما صنع قومه من عبادة العجل ﴿ قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ﴾ أي ألم يعدكم بإنزال التوراة فيها الهدى والنور؟ والاستفهام للتوبيخ ﴿ أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ﴾ أي هل طال عليكم الزمن حتى نسيتم العهد أم أردتم بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم سخط الله وغضبه فأخلفتم وعدي؟ قال أبو حيان: وكانوا وعدوه بأن يتمسكوا بدين الله وسنة موسى عليه السلام، ولا يخالفوا أمر الله أبدا، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل ﴿ قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ أي ما أخلفنا العهد بطاقتنا وإرادتنا واختيارنا بل كنا مكرهين ﴿ ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم فقذفناها ﴾ أي حملنا أثقالا وأحمالا من حلي آل فرعون فطرحناها في النار بأمر السامري قال مجاهد: أوزارا: أثقالا وهي الحلي التي استعاروها من آل فرعون ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ أي كذلك فعل السامري ألقى ما كان معه من حلي القوم في النار قال المفسرون: كان بنو إسرائيل قد استعاروا من القبط الحلي قبل خروجهم من مصر، فلما أبطأ موسى في العودة إليهم قال لهم السامري: إنما احتبس عليكم لأجل ما عندكم من الحلي فجمعوه ودفعوه إلى السامري، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلا، ثم ألفى عليه قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام فجعل يخور فذلك قوله تعالى ﴿ فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ﴾ أي صاغ لهم السامري من تلك الحلي المذابة عجلا جسدا بلا روح له خوار وهو صوت البقر ﴿ فقالوا هذآ إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ أي هذا العجل إلهكم وإله موسى فنسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في الطور، قال قتادة: نسي موسى ربه عندكم، فعكفوا عليه يعبدونه، قال تعالى ردا عليهم وبيانا لسخافة عقولهم في عبادة العجل ﴿ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ﴾ أي أفلا يعلمون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم لا يرد لهم جوابا، ولا يقدر أن يدفع عنهم ضرا أو يجلب لهم نفعا فكيف يكون إلها؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع ﴿ ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما فتنتم به ﴾ أي قال لهم هارون ناصحا ومذكرا من قبل رجوع موسى إليهم: إنما ابتليتم وأضللتم بهذا العجل ﴿ وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ أي وإن ربكم المستحق للعبادة هو الرحمن لا العجل، فاقتدوا بي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، وأطيعوا أمري بترك عبادة العجل ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ أي قالوا لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يعود إلينا موسى فننظر في الأمر ﴿ قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن ﴾؟ في الكلام حذف أي فلما رجع موسى ووجدهم عاكفين على عبادة العجل امتلأ غضبا لله وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه وقال له: أي شيء منعك حين رأيتهم كفروا بالله أن لا تتبعني في الغضب لله والإنكار عليهم والزجر لهم عن ذلك الضلال؟ ﴿ أفعصيت أمري ﴾ أي أخالفتني وتركت أمري ووصيتي؟ قال المفسرون: وأمره هو ما كان أوصاه به فيما حكاه تعالى عنه