البلاغة: تضمنت السورة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الطباق بي ﴿ يبدىء.. ويعيد ﴾.
2- جناس الاشتقاق ﴿ وشاهد.. ومشهود ﴾.
3- تأكيد المدح بما يشبه الذم ﴿ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ﴾ كأنه يقول: ليس لهم جريمة إلا إيمانهم بالله، وهذا من أعظم المفاخر والمآثر.
4- المقابلة بين مصير المؤمنين ومصير المجرمين ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ الآية قابله قوله ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات.. ﴾ الخ.
5- أسلوب التشويق لاستماع القصة ﴿ هل أتاك حديث الجنود ﴾؟
6- صيغة المبالغة مثل ﴿ فعال لما يريد ﴾ ﴿ العزيز الحميد ﴾ وأمثال ذلك.
7- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿ واليوم الموعود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود.. ﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع والله أعلم.
86 - سورة الطارق
86.1-17
اللغة: ﴿ الطارق ﴾ مأخوذ من الطرق بمعنى الضرب بشدة ومنه المطرقة، وكل ما جاء بليل يسمى طارقا ﴿ دافق ﴾ مصبوب بقوة وشدة يقال: دفق الماء دفقا إذا انصب بدفع وشدة ﴿ الترآئب ﴾ عظام الصدر جمع تريبة مثل فصيلة وفصائل قال امرؤ القيس:
" ترائبها مصقولة كالسجنجل "
﴿ الرجع ﴾ المطر سمي به لرجوعه إلى الأرض مرارا ﴿ الصدع ﴾ النبات الذي تنشق عنه الأرض ﴿ رويدا ﴾ قليلا أو قريبا.
التفسير: ﴿ والسمآء والطارق ﴾ أي أقسم بالسماء وبالكواكب النيرة، التي تظهر ليلا وتختفي نهارا قال المفسرون: سمي النجم طارقا لأنه إنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار، وكل ما يجيء ليلا فهو طارق ﴿ ومآ أدراك ما الطارق ﴾ استفهام للتفخيم والتعظيم أي وما الذي أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم فسره بقوله ﴿ النجم الثاقب ﴾ أي النجم المضيء الذي يثقب الظلام بضيائه قال الصاوي: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكر الشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات، لأن الصنعة تدل على الصانع ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ هذا جواب القسم أي ما كل نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشر كقوله
وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين
[الانفطار: 10-11] قال ابن كثير: أي كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات.. ثم أمر تعالى بالنظر والتفكر في خلق الإنسان، تنبيها على إمكان البعث والحشر فقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق ﴾؟ أي فلينظر الإنسان في أول نشأته نظرة تفكر واعتبار، من أي شيء خلقه الله؟ ﴿ خلق من مآء دافق ﴾ أي خلق من المني المتدفق، الذي ينصب بقوة وشدة، يتدفق من الرجل والمرأة فيتكون منه الولد بإذن الله ﴿ يخرج من بين الصلب والترآئب ﴾ أي يخرج هذا الماء من بين الصلب وعظم الصدر، من الرجل والمرأة ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ أي إن الله تعالى الذي خلق الإنسان ابتداء، قادر على إعادته بعد موته قال ابن كثير: نبه تعالى الإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وأرشده إلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى ﴿ يوم تبلى السرآئر ﴾ أي يوم تمتحن القلوب وتختبر، ويعرف ما بها من العقائد والنيات، ويميز بين ما طاب منها وما خبث ﴿ فما له من قوة ولا ناصر ﴾ أي فليس للإنسان في ذلك الوقت قوة تدفع عنه العذاب، ولا ناصر ينصره ويجيره، قال في التسهيل: لما كان دفع المكاره في الدنيا إما بقوة الإنسان، أو بنصرة غيره له، أخبره الله تعالى أنه يعدمها يوم القيامة، فلا قوة له في نفسه، ولا أحد ينصره من الله.
. ولما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد، عاد فأقسم على صدق هذا الكتاب المعجز فقال ﴿ والسمآء ذات الرجع ﴾ أي أقسم بالسماء ذات المطر، الذي يرجع على العباد حينا بعد حين قال ابن عباس: الرجع المطر ولولاه لهلك الناس وهلكت مواشيهم ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ أي وأقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق، فيخرج منها النبات والأشجار والأزهار قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات والثمار.. أقسم سبحانه وتعالى بالسماء التي تفيض علينا الماء، وبالأرض التي تخرج لنا الثمار والنبات، والسماء للخلق كالأب، والأرض لهم كالأم، ومن بينهما تتولد النعم العظيمة، والخيرات العميمة، التي بها بقاء الإنسان والحيوان ﴿ إنه لقول فصل ﴾ أي إن هذا القرآن لقول فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية في بيانه وتشريعه وإعجازه ﴿ وما هو بالهزل ﴾ أي ليس فيه شيء من اللهو والباطل والعبث، بل هو جد كله، لأنه كلام أحكم الحاكمين، فجدير بقارئه أن يتعظ بآياته، ويستنير بتوجيهاته وإرشاداته ﴿ إنهم يكيدون كيدا ﴾ أي إن هؤلاء المشركين - كفار مكة - يعملون المكايد لإطفاء نور الله، وإبطال شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وأكيد كيدا ﴾ أي وأجازيهم على كيدهم بالإمهال ثم النكال، حيث آخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى