وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين
[الأعراف: 142] ﴿ قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ﴾ أي قال له هارون استعطافا وترقيقا: يا ابن أمي - أي يا أخي - لا تأخذ بلحيتي ولا بشعر رأسي قال ابن عباس: أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله من شدة غيظه وفرط غضبه لأن الغيرة في الله ملكته ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ﴾ أي إني خفت إن زجرتهم بالقوة أن يقع قتال بينهم فتلومني على ذلك وتقول لي: لقد أشعلت الفتنة بينهم ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي لم تنتظر أمري فيهم، فمن أجل ذلك رأيت ألا أفعل شيئا حتى ترجع إليهم لتتدارك الأمر بنفسك قال ابن عباس: وكان هارون هائبا مطيعا له ﴿ قال فما خطبك يسامري ﴾ أي ما شأنك فيما صنعت؟ وما الذي حملك عليه يا سامري؟ ﴿ قال بصرت بما لم يبصروا به ﴾ أي قال السامري: رأيت ما لم يروه وهو أن جبريل جاءك على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة فما ألقيته على شيء إلا دبت فيه الحياة ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ أي قبضت شيئا من أثر فرس جبريل فطرحتها على العجل فكان له خوار ﴿ وكذلك سولت لي نفسي ﴾ أي وكذلك حسنت وزينت لي نفسي ﴿ قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ أي قال موسى للسامري: عقوبتك في الدنيا ألا تمس أحدا ولا يمسك أحد قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يمسوه عقوبة له في الدنيا وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة ﴿ وإن لك موعدا لن تخلفه ﴾ أي وإن لك موعدا للعذاب في الآخرة لن يتخلف ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ﴾ أي انظر إلى هذا العجل الذي أقمت ملازما على عبادته ﴿ لنحرقنه * ثم لننسفنه في اليم نسفا ﴾ أي لنحرقنه بالنار ثم لنطيرنه رمادا في البحر لا يبقى منه عين ولا أثر ﴿ إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ﴾ أي يقول موسى لبني إسرائيل: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله الذي لا رب سواه ﴿ وسع كل شيء علما ﴾ أي وسع علمه كل شيء فلا يخفى عله شيء في الأرض ولا في السماء.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
1- التهويل ﴿ فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾.
2- الطباق بين ﴿ وأضل.. وما هدى ﴾.
3- الاستعارة ﴿ فقد هوى ﴾ استعار لفظ الهوي وهو السقوط من علو إلى سفل للهلاك والدمار.
4- صيغة المبالغة ﴿ وإني لغفار ﴾ أي كثير المغفرة للذنوب.
5- الطباق ﴿ ضرا ولا نفعا ﴾.
6- الايجاز بالحذف في مواطن عديدة بيناها في التفسير.
7- السجع الحسن غير المتكلف مثل ﴿ أمري ﴾ ، ﴿ قولي ﴾ ، ﴿ نفسي ﴾ و ﴿ نفعا ﴾ ، ﴿ علما ﴾ ، ﴿ نسفا ﴾ الخ.
تنبيه: إنما عبد بنو إسرائيل العجل بسبب فتنة السامري وقد كانت بذور الوثنية راسخة في قلوبهم ولذلك لما نجاهم الله من طغيان فرعون طلبوا من موسى أن يصنع لهم تمثالا ليعبدوه كما قال تعالى
وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون
[الأعراف: 138] فلا عجب إذا أن يعكفوا على عبادة عجل من ذهب له خوار!!