تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56 - سورة الواقعة

56.1-56

اللغة: ﴿ رجت ﴾ زلزلت وحركت تحريكا شديدا ﴿ بست ﴾ فتت حتى صارت كالدقيق المبسوس ﴿ هبآء ﴾ الهباء ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة ﴿ ثلة ﴾ جماعة من ثللت الشيء أي قطعته قاله الزجاج فمعنى ثلة كمعنى فرقة وزنا ومعنى ﴿ موضونة ﴾ منسوجة محكمة النسج كأن بعضها أدخل في بعض قال الأعشى:

ومن نسج داود موضونة

تساق مع الحي عسيرا فعيرا

﴿ يصدعون ﴾ صدع القوم الخمر لحقهم الصداع في رءوسهم منها ﴿ ينزفون ﴾ يسكرون فتذهب عقولهم ﴿ مخضود ﴾ خضد شوكه أي قطع قال أمية بن أبي الصلت:

إن الحدائق في الجنان ظليلة

فيها الكواعب سدرها مخضود

﴿ طلح ﴾ الطلح: شجر الموز ﴿ منضود ﴾ متراكب بعضه فوق بعض ﴿ عربا ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها ﴿ سموم ﴾ ريح حارة تدخل في مسام البدن ﴿ يحموم ﴾ اليحموم الشديد السواد ﴿ الحميم ﴾ الماء المغلي ﴿ الهيم ﴾ الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ أي إذا قامت القيامة التي لا بد من وقوعها، وحدثت الداهية الطامة التي ينخلع لها قلب الإنسان، كان من الأهوال ما لا يصفه الخيال قال البيضاوي: سميت واقعة لتحقق وقوعها وقال ابن عباس: الواقعة اسم من أسماء القيامة كالصاخة والآزفة والطامة، وهذه الأشياء تقتضي عظم شأنها ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ أي لا يكون عند وقوعها نفس كاذبة تكذب بوقوعها كحال المكذبين اليوم، لأن كل نفس تؤمن حينئذ لأنها ترى العذاب عيانا كقوله تعالى

فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده

[غافر: 84] ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي خافضة لأقوام رافعة لآخرين، تخفض أعداء الله في النار، وترفع أولياء الله في الجنة قال الحسن: تخفض أقواما إلى الجحيم وإن كانوا في الدنيا أعزة، وترفع آخرين إلى أعلى عليين وإن كانوا في الدنيا وضعاء.. ثم بين تعالى متى يكون ذلك فقال ﴿ إذا رجت الأرض رجا ﴾ أي زلزلت زلزالا عنيفا، واضطربت اضطرابا شديدا، بحيث ينهدم كل ما فوقها من بناء شامخ، وطود راسخ قال المفسرون: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها من بناء، وينكسر كل ما فيها من جبال وحصون ﴿ وبست الجبال بسا ﴾ أي فتتت تفتيتا حتى صارت كالدقيق المبسوس - وهو المبلول - بعد أن كانت شامخة ﴿ فكانت هبآء منبثا ﴾ أي فصارت غبارا متفرقا متطايرا في الهواء، كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل النافذة فهذا هو الهباء، والمنبث المتفرق، وهذه الآية كقوله تعالى

وتكون الجبال كالعهن المنفوش

[القارعة: 5] وقوله

وسيرت الجبال فكانت سرابا

[النبأ: 20] ﴿ وكنتم أزواجا ثلاثة ﴾ أي وكنتم - أيها الناس - أصنافا وفرقا ثلاث " أهل اليمين، وأهل الشمال، وأهل السبق " فأما السابقون فهم أهل الدرجات العلى في الجنة، وأما أصحاب اليمين فهم سائر أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار، وهذه مراتب الناس في الآخرة قال ميمون بن مهران: اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم فصلهم تعالى بقوله ﴿ فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة ﴾؟ استفهام للتفخيم والتعظيم أي هل تدري أي شيء أصحاب الميمنة؟ من هم وما هي حالهم وصفتهم؟ إنهم الذين يؤتون صحائفهم في أيمانهم، فهو تعجيب لحالهم، وتعظيم لشأنهم في دخولهم الجنة وتنعمهم بها ﴿ وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة ﴾؟ أي هل تدري من هم؟ وما هي حالهم وصفتهم، إنهم الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم، ففيه تعجيب لحالهم في دخولهم النار وشقائهم قال القرطبي: والتكرير في ﴿ مآ أصحاب الميمنة ﴾ و ﴿ مآ أصحاب المشأمة ﴾ للتفخيم والتعجيب كقوله

الحاقة * ما الحآقة

[الحاقة: 1-2] وقوله

القارعة * ما القارعة

[القارعة: 1-2] وقال الألوسي: والمقصود التفخيم في الأول، والتفظيع في الثاني، وتعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في غاية سوء الحال ﴿ والسابقون السابقون ﴾ هذا هو الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة أي والسابقون إلى الخيرات والحسنات، هم السابقون إلى النعيم والجنات، ثم أثنى عليهم بقوله ﴿ أولئك المقربون ﴾ أي أولئك هم المقربون من الله، في جواره، وفي ظل عرشه، ودار كرامته ﴿ في جنات النعيم ﴾ أي هم في جنات الخلد يتنعمون فيها قال الخازن: فإن قلت: لم أخر ذكر السابقين وكانوا أولى بالتقديم على أصحاب اليمين؟ قلت: فيه لطيفة وذلك أن الله ذكر في أول السورة الأمور الهائلة عند قيام الساعة تخويفا لعباده، فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء فيرجع عن إساءته خوفا من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجدوا ويجتهدوا ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي السابقون المقربون جماعة كثيرة من الأمم السالفة ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي وهم قليل من هذه الأمة قال القرطبي: وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم، لأن الأنبياء المتقدمين كانوا كثرة، فكثر السابقون إلى الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا، قال الحسن: سابقوا من مضى أكثر من سابقينا ثم تلا الآية وقيل: إن المراد بقوله ﴿ والسابقون السابقون ﴾ أول هذه الأمة، والآخرون المتأخرون من هذه الأمة، فيكون كلا الفريقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ على سرر موضونة ﴾ أي جالسين على أسرة منسوجة بقضبان الذهب، مرصعة بالدر والياقوت قال ابن عباس: ﴿ موضونة ﴾ أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به ﴿ متكئين عليها ﴾ أي حال كونهم مضطجعين على تلك الأسرة شأن المنعمين المترفين ﴿ متقابلين ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد، وهذا أدخل في السرور، وأكمل في أدب الجلوس ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ أي يدور عليهم للخدمة أطفال في نضارة الصبا، لا يموتون ولا يهرمون قال أبو حيان: وصفوا بالخلد - وإن كان كل من في الجنة مخلدا - ليدل على أنهم يبقون دائما في سن الولدان، لا يتحولون ولا يكبرون كما وصفهم جل وعلا ﴿ بأكواب ﴾ أي بأقداح كبيرة مستديرة لا عرى لها ﴿ وأباريق ﴾ جمع إبريق أي وبأباريق لها عرى تبرق من صفاء لونها ﴿ وكأس من معين ﴾ أي وكأس من خمر لذة جارية من العيون قال ابن عباس: لم تعصر كخمر الدنيا بل هي من عيون سارحة قال القرطبي: والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون، ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصر وتكلف ومعالجة ﴿ لا يصدعون عنها ﴾ أي لا تنصدع رءوسهم من شربها ﴿ ولا ينزفون ﴾ أي ولا يسكرون فتذهب بعقولهم فتذهب بعقولهم كخمر الدنيا قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال الذميمة ﴿ وفاكهة مما يتخيرون ﴾ أي ولهم فيها فاكهة كثيرة يختارون ما تشتهيه نفوسهم لكثرتها وتنوعها ﴿ ولحم طير مما يشتهون ﴾ أي ولحم طير مما يحبون ويشتهون قال ابن عباس: يخطر على قلب أحدهم لحم الطير فيطير حتى يقع بين يديه على ما اشتهى مقليا أو مشويا وفي الحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٩٤