44 - سورة الدخان
44.1-29
اللغة: ﴿ يفرق ﴾ يبين ويفصل ﴿ ارتقب ﴾ انتظر ﴿ يغشى ﴾ يغطي ويحيط ﴿ نبطش ﴾ نأخذ بشدة وعنف ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا وامتحنا ﴿ تعلوا ﴾ تتكبروا وتتطاولوا ﴿ عذت ﴾ استجرت والتجأت إلى الله ﴿ أسر ﴾ سر ليلا ﴿ رهوا ﴾ ساكنا، والرهو عند العرب الساكن قال الشاعر:
والخيل تمزع رهوا في أعنتها
كالطير تنجو من الشئبوب ذي البرد
قال الجوهري: رها البحر أي سكن، وجاءت الخيل رهوا أي برفق وسكينة ﴿ منظرين ﴾ مؤخرين ﴿ نعمة ﴾ النعمة بفتح النون من التنعيم وهو سعة العيش والراحة، وبالكسر من المنة وهي العطية والإفضال.
سبب النزول: عن ابن مسعود قال: إن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر الى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى ﴿ فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين ﴾ فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله: استسق لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى فسقوا فنزلت ﴿ إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عآئدون ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾.
التفسير ﴿ حم ﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وقد تقدم ﴿ والكتاب المبين ﴾ أي أقسم بالقرآن البين الواضح، الفارق بين طريق الهدى والضلال، البين في إعجازه، الواضح في أحكامه، وجوابه ﴿ إنآ أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ أي أنزلنا القرآن في ليلة فاضلة كريمة هي ليلة القدر من شهر رمضان المبارك
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
[البقرة: 185] قال ابن جزي: وكيفية إنزاله فيها أنه أنزل الى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء، وقيل: المعنى ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، قال القرطبي: ووصف الليلة بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي لننذر به الخلق، لأن من شأننا وعادتنا ألا نترك الناس دون إنذار وتحذير من العقاب، لتقوم الحجة عليهم ﴿ فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ أي في ليلة القدر يفصل ويبين كل أمر محكم من أرزاق العباد وآجالهم وسائر أحوالهم فلا يبدل ولا يغير قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى السنة القابلة ما كان من حياة، أو موت، أو رزق قال المفسرون: إن الله تعالى ينسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، ما يكون في تلك السنة من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من خير وشر، وصالح وطالح، حتى إن الرجل ليمشي في الأسواق وينكح ويولد له وقد وقع اسمه في الموتى ﴿ أمرا من عندنآ ﴾ أي جميع ما نقدره في تلك الليلة وما نوحي به إلى الملائكة من شئون العباد، هو أمر حاصل من جهتنا، بعلمنا وتدبيرنا ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ أي نرسل الأنبياء إلى البشر بالشرائع الإلهية لهدايتهم وإرشادهم ﴿ رحمة من ربك ﴾ أي من أجل الرأفة والرحمة بالعباد قال في البحر: وضع الظاهر ﴿ ربك ﴾ موضع الضمير " رحمة منا " إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ أي السميع لأقوال العباد، العليم بأفعالهم وأحوالهم ﴿ رب السموت والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين ﴾ أي الذي أنزل القرآن هو رب السماوات والأرض وخالقهما ومالكهما ومن فيهما، إن كنتم من أهل الإيمان واليقين ﴿ لا إله إلا هو يحيي ويميت ﴾ أي لا رب غيره، ولا معبود سواه، لأنه المتصف بصفات الجلال والكمال، يحيي الأموات، ويميت الأحياء ﴿ ربكم ورب آبآئكم الأولين ﴾ أي هو خالقكم وخالق من سبقكم من الأمم الماضين قال الرازي: والمقصود من الآية أن المنزل إذا كان موصوفا بهذه الجلالة والكبرياء، كان المنزل - الذي هو القرآن - في غاية الشرف والرفعة ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ أي ليسوا موقنين فيما يظهرونه من الإيمان في قولهم: الله خالقنا، بل هم في شك من أمر البعث، فهم يلعبون ويسخرون ويهزءون قال شيخ زاده: التفت من الخطاب للغيبة فقال ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ تحقيرا لشأنهم، وإبعادا لهم عن موقف الخطاب، لكونهم من أهل الشك والامتراء، وكون أفعالهم الهزء واللعب لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وعدم تمييزهم بين الحق والباطل، والضار والنافع، ثم لما بين أن شأنهم الحماقة والطغيان التفت إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم تسلية له، وإقناطا من إيمانهم فقال ﴿ فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين ﴾ أي فانتظر يا محمد عذابهم يوم تأتي السماء بدخان كثيف، بين واضح يراه كل أحد قال ابن مسعود: إن قريشا لما عصت الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: