12 - سورة يوسف
12.1-22
اللغة: ﴿ المبين ﴾ الظاهر الجلي ﴿ القصص ﴾ إتباع الخبر بعضه بعضا وأصله في اللغة المتابعة
وقالت لأخته قصيه
[القصص: 11] أي اتبعي أثره والمراد بالقصص الأخبار التي قصها علينا الله في كتابه العزيز ﴿ الرؤيا ﴾ خاصة بالمنام وأما باليقضة فهي بالتاء الرؤية قال الألوسي: مصدر رأى الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية ولهذا خطىء المتنبي في قوله " ورؤياك أحلى في العيون من الغمض " ﴿ يجتبيك ﴾ الاجتباء: الاصطفاء والاختيار وأصله من جبيت الشيء أي حصلته ﴿ عصبة ﴾ جماعة قال الفراء: ما زاد على العشرة، والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا ﴿ اطرحوه ﴾ الطرح: رمي الشيء وإلقاؤه ﴿ غيبت الجب ﴾ قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر ﴿ يرتع ﴾ يتسع في أكل ما لذ وطاب قال الراغب: الرتع حقيقته في أكل البهائم ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير قالت الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
فإنما هي إقبال وإدبار
﴿ السيارة ﴾ المسافرين ﴿ سولت ﴾ زينت ﴿ واردهم ﴾ الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم.
سبب النزول: روي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وما حصل له مع إخوته من أولاد يعقوب فنزلت السورة.
التفسير: ﴿ الر ﴾ إشارة إلى الإعجاز، فمن هذه الحروف وأمثالها تتألف آيات الكتاب المعجز ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ أي تلك الآيات التي أنزلت إليك يا محمد هي آيات الكتاب المعجز في بيانه، الساطع في حججه وبراهينه، الواضح في معانيه، الذي لا تشتبه حقائقه، ولا تلتبس دقائقه ﴿ إنآ أنزلناه قرآنا عربيا ﴾ أي أنزلناه بلغة العرب كتابا عربيا مؤلفا من هذه الأحرف العربية ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ أي لكي تعقلوا وتدركوا أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز ليس بشرا، وإنما هو إله قدير، وهذا الكلام وحي منزل من رب العالمين ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ أي نحن نحدثك يا محمد ونروي لك أخبار الأمم السابقة، بأصدق كلام، وأحسن بيان ﴿ بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن ﴾ أي بإيحاءتنا إليك هذا القرآن المعجز ﴿ وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ أي وإن الحال والشأن أنك كنت من قبل أن نوحي إليك هذا القرآن لمن الغافلين عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك، لأنك أمي لا تقرأ ولا تكتب ﴿ إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ﴾ من هنا بداية القصة، أي اذكر حين قال يوسف لأبيه يعقوب يا أبي إني رأيت في المنام هذه الرؤيا العجيبة، رأيت أحد عشر كوكبا من كواكب السماء خرت ساجدة لي ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ أي ورأيت في المنام الشمس والقمر ساجدة لي مع الكواكب قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحيا قال المفسرون: الكواكب الأحد عشر كانت إخوته، والشمس والقمر أبواه، وكان سنه إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، وبين هذه الرؤيا واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر أربعون سنة ﴿ قال يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك ﴾ أي قال له يعقوب: لا تخبر بهذه الرؤيا إخوتك ﴿ فيكيدوا لك كيدا ﴾ أي فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على ردها ﴿ إن الشيطان للإنسان عدو مبين ﴾ أي ظاهر العداوة قال أبو حيان: فهم يعقوب من رؤيا يوسف أن الله تعالى يبلغه مبلغا من الحكمة، ويصطفيه للنبوة، وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه من حسد إخوته فنهاه أن يقص رؤياه عليهم ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ أي وكما أراك مثل هذه الرؤيا العظيمة كذلك يختارك ربك للنبوة ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ أي يعلمك تفسير الرؤيا المنامية ﴿ ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ﴾ أي يتمم فضله وإنعامه عليك وعلى ذرية أبيك يعقوب ﴿ كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ﴾ أي كما أكمل النعمة من قبل ذلك على جدك إبراهيم وجدك إسحاق بالرسالة والاصطفاء ﴿ إن ربك عليم حكيم ﴾ أي عليم بمن هو أهل للفضل، حكيم في تدبيره لخلقه ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ﴾ أي لقد كان في خبر يوسف وإخوته الأحد عشر عبر وعظات للسائلين عن أخبارهم ﴿ إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ﴾ هذه هي المحنة الأولى ليوسف عليه السلام أي حين قالوا: والله ليوسف وأخوه " بنيامين " أحب منا عند أبينا، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه، وإنما قالوا ﴿ وأخوه ﴾ وهم جميعا إخوة لأن أمهما كانت واحدة ﴿ ونحن عصبة ﴾ أي والحال نحن جماعة ذوو عدد، نقدر على النفع والضر، بخلاف الصغيرين ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ أي إنه في خطأ وخروج عن الصواب بين واضح، لإيثاره يوسف وأخاه علينا بالمحبة قال القرطبي: لم يريدوا ضلال الدين إذ لو أرادوه لكفروا، وإنما أرادوا أنه في خطأ بين في إيثار اثنين على عشرة ﴿ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ﴾ أي أقتلوا يوسف أو ألقوه في أرض بعيدة مجهولة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ أي فعند ذلك يخلص ويصفو لكم حب أبيكم، فيقبل عليكم قال الرازي: المعنى إن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالمحبة والميل ﴿ وتكونوا من بعده قوما صالحين ﴾ أي وتتوبوا من بعد هذا الذنب وتصبحوا قوما صالحين ﴿ قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب ﴾ أي قال لهم أخوهم " يهوذا " وهو أكبر ولد يعقوب: لا تقتلوا يوسف بل ألقوه في قعر الجب وغوره ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي يأخذه بعض المارة من المسافرين ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ أي إن كان لا بد من الخلاص منه فاكتفوا بذلك، وكان رأيه فيه أهون شرا من رأي غيره ﴿ قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف ﴾ المعنى أي شيء حدث لك حتى لا تأمنا على أخينا يوسف، ونحن جميعا أبناؤك؟ ﴿ وإنا له لناصحون ﴾ أي ونحن نشفق عليه ونريد له الخير قال المفسرون: لما أحكموا العزم ذكروا هذا الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف، وفي غاية الشفقة عليه، ليستنزلوه عن رأيه في تخوفه منهم وكأنهم قالوا: لم تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به!! ﴿ أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ﴾ أي أرسله معنا غدا إلى البادية، يتسع في أكل ما لذ وطاب ويلهو ويلعب بالاستباق وغيره ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ أي ونحن نحفظه من كل سوء ومكروه، أكدوا كلامهم بإن واللام وهم كاذبون ﴿ قال إني ليحزنني أن تذهبوا به ﴾ أي قال لهم يعقوب: إنه ليؤلمني فراقه لقلة صبري عنه ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ﴾ أي وأخاف أن يفترسه الذئب في حال غفلتكم عنه، وكأنه لقنهم الحجة قال الزمخشري: إعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم ﴿ قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون ﴾ اللام للقسم أي والله لئن أكله الذئب ونحن جماعة أقوياء أشداء إنا لمستحقون أن يدعى علينا بالخسارة والدمار ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ في الكلام محذوف أي فأرسله معهم فلما أخذوه وابتعدوا به عن أبيه ﴿ وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب ﴾ أي عزموا واتفقوا على إلقائه في غور الجب ﴿ وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ﴾ أي أوحينا إلى يوسف لتخبرن إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك وهم لا يشعرون في ذلك الوقت أنك يوسف، قال الرازي: وفائدة هذا الوحي تأنيسه، وتسكين نفسه، وإزالة الغم والوحشة عن قلبه، بأنه سيحصل له الخلاص من هذه المحنة ﴿ وجآءوا أباهم عشآء يبكون ﴾ أي رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء ليلا وهم يبكون، روي أنه لما سمع يعقوب بكاءهم فزع، وقال: ما لكم يا بني، وأين يوسف؟ ﴿ قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو، أو في الرمي ﴿ وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ﴾ أي تركنا يوسف عند ثيابنا وحوائجنا ليحفظها فجاء الذئب فافترسه ﴿ ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ﴾ أي لست بمصدق لنا في هذه المقالة ولو كنا في الواقع صادقين، فكيف وأنت تتهمنا وغير واثق بقولنا؟ وهذا القول منهم يدل على الارتياب، وكما قيل: يكاد المريب يقول خذوني ﴿ وجآءوا على قميصه بدم كذب ﴾ أي جاءوا على ثوبه بدم كاذب، وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه قال ابن عباس: ذبحوا شاة ولطخوا بدمها القميص فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرق القميص وروي أنه قال: " ما أحلم هذا الذئب أكل ابني ولم يشق قميصه "؟! ﴿ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمرا في يوسف وليس كما زعمتم أن الذئب أكله ﴿ فصبر جميل ﴾ أي أمري صبر جميل لا شكوى فيه ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ أي وهو سبحانه عوني على تحمل ما تصفون من الكذب ﴿ وجاءت سيارة ﴾ أي قوم مسافرون مروا بذلك الطريق قال ابن عباس: جاء قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطئوا الطريق فانطلقوا يهيمون حتى هبطوا على الأرض التي فيها جب يوسف، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ أي بعثوا من يستقي لهم الماء ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أي أرسل دلوه في البئر قال المفسرون: لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فخرج فلما رأى حسنه وجماله نادى ﴿ قال يبشرى هذا غلام ﴾ قاله على سبيل السرور والفرح لتبشير نفسه وجماعته قال أبو السعود: كأنه نادى البشرى وقال تعالي فهذا أوانك حيث فاز بنعمة جليلة ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ أي أخفوا أمره عن الناس ليبيعوه في أرض مصر متاعا كالبضاعة، والضمير يعود على الوارد وجماعته ﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ أي لا يخفى عليه سبحانه أسرارهم، وما عزموا عليه في أمر يوسف ﴿ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ﴾ هذه هي المحنة الثانية في حياة يوسف الصديق وهي محنة الاسترقاق أي باعه أولئك المارة الذين استخرجوه من البئر بثمن قليل منقوص هو عشرون درهما كما قال ابن عباس ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ أي وكانوا في يوسف من الزاهدين الذين لا يرغبون فيه لأنهم التقطوه وخافوا أن يكون عبدا آبقا فينتزعه سيده من أيديهم، ولذلك باعوه بأبخس الأثمان ﴿ وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ﴾ أي وقال الذي اشتراه من مدينة مصر لزوجته أكرمي إقامته عندنا قال ابن عباس: كان اسم الذي اشتراه " قطفير " وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر " عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا } أي عسى أن يكفينا بعض المهمات إذا بلغ أو نتبناه حيث لم يكن يولد لهما ولد ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أي وكما نجيناه من الجب جعلناه متمكنا في أرض مصر يعيش فيها بعز وأمان ﴿ ولنعلمه من تأويل الأحاديث ﴾ أي نوفقه لتعبير بعض المنامات ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي لا يعجزه تعالى شيء ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ أي بلغ منتهى شدته وقوته وهو ثلاثون سنة ﴿ آتيناه حكما وعلما ﴾ أي أعطيناه حكمة وفقها في الدين ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي المحسنين في أعمالهم.