البلاغة: 1- تخصيص بعض الأنبياء بالذكر ﴿ كمآ أوحينآ إلى نوح ﴾ الخ للتشريف وإظهار فضل المذكورين وفيه تشبيه يسمى " مرسلا مفصلا ".
2- قوله ﴿ يأهل الكتاب ﴾ اللفظ للعموم ويراد منه الخصوص وهم " النصارى " بدليل قوله بعده ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ وهي قولة النصارى.
3- قوله ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ فيه قصر وهو من نوع قصر موصوف على صفة.
4- في قوله ﴿ يشهدون... وشهيدا ﴾ جناس الاشتقاق.
الفوائد: لفظة " من " تكون للتبعيض وقد تأتي لابتداء الغاية كما في قوله تعالى ﴿ وروح منه ﴾ يحكى أن طبيبا نصرانيا للرشيد ناظر الإمام الواقدي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله وتلا هذه الآية ﴿ وروح منه ﴾ فقال الواقدي قال تعالى
وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13] فيجب إذا كان عيسى جزءا من الله أن يكون ما في السماوات وما في الأرض جزءا منه فانقطع النصراني وأسلم، وفرح الرشيد بذلك فرحا شديدا ووصل الواقدي بصلة عظيمة.
5 - سورة المائدة
5.1-10
اللغة: ﴿ العقود ﴾ أصل العقد في اللغة: الربط تقول عقدت الحبل بالحبل ثم استعير للمعاني قال الزمخشري: العقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
﴿ بهيمة الأنعام ﴾ البهيمة ما لا نطق له لما في صوته من الإبهام والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم ﴿ القلائد ﴾ جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من لحاء الشجر ليعلم أنه هدي ﴿ يجرمنكم ﴾ يكسبنكم يقال: جرم ذنبا أي كسبه وأجرم اكتسب الإثم ﴿ شنآن ﴾ الشنآن: البغض ﴿ الموقوذة ﴾ الوقذ: ضرب الشيء حتى يسترخي ويشرف على الموت ﴿ النصب ﴾ صنم وحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده وجمعه أنصاب كذا في اللسان ﴿ الأزلام ﴾ القداح جمع زلم كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة ضرب بالقداح وهو الاستقسام بالأزلام ﴿ مخمصة ﴾ مجاعة لأن البطون فيها تخمص أي تضمر والخمص ضمور البطن ﴿ الجوارح ﴾ الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والصقر والشاهين.
سبب النزول: عن ابن عباس أن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون الشعائر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله.. ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ الخطاب بلفظ الإيمان للتكريم والتعظيم أي يا معشر المؤمنين أوفوا بالعقود وهو لفظ يشمل كل عقد وعهد بين الإنسان وربه وبين الإنسان والإنسان قال ابن عباس: العقود العهود وهي ما أحل الله وما حرم وما فرض في القرآن كله من التكاليف والأحكام ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ أي أبيح لكم أكل الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم بعد ذبحها إلا ما حرم عليكم في هذه السورة وهي الميتة والدم ولحم الخنزير الخ ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ أي يقضي في خلقه بما يشاء لأنه الحكيم في أمره ونهيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ﴾ أي لا تستحلوا حرمات الله ولا تعتدوا حدوده قال الحسن: يعني شرائعه التي حدها لعباده وقال ابن عباس: ما حرم عليكم في حال الإحرام ﴿ ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ﴾ أي ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه، ولا ما أهدي إلى البيت أو قلد بقلادة ليعرف أنه هدي بالتعرض له ولأصحابه ﴿ ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ﴾ أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام لحج أو عمرة، نهى تعالى عن الإغارة عليهم أو صدهم عن البيت كما كان أهل الجاهلية يفعلون ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ أي إذا تحللتم من الإحرام فقد أبيح لكم الصيد ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ أي تعاونوا على فعل الخيرات وترك المنكرات، وعلى كل ما يقرب إلى الله ﴿ واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ أي خافوا عقابه فإنه تعالى شديد العقاب لمن عصاه ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حرم عليكم أيها المؤمنون أكل الميتة وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة والدم المسفوح ولحم الخنزير قال الزمخشري: كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها والفصيد وهو الدم في الأمعاء يشوونه ويقولون لم يحرم من فزد - أي فصد - له وإنما ذكر لحم الخنزير ليبين أنه حرام بعينه حتى ولو ذبح بالطريق الشرعي ﴿ ومآ أهل لغير الله به ﴾ أي ما ذكر عليه غير اسم الله أو ذبح لغير الله كقولهم باسم اللات والعزى ﴿ والمنخنقة ﴾ هي التي تخنق بحبل وشبهه ﴿ والموقوذة ﴾ هي المضروبة بعصا أو حجر ﴿ والمتردية ﴾ هي التي تسقط من جبل ونحوه ﴿ والنطيحة ﴾ هي التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت بالنطح ﴿ ومآ أكل السبع ﴾ أي أكل بعضه السبع فمات ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ أي إلا ما أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه الذبح الشرعي قبل الموت قال الطبري معناه: إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ أي وما ذبح على الأحجار المنصوبة قال قتادة: النصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك قال الزمخشري: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام أي طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر بواسطة ضرب القداح قال في الكشاف: كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا من معاظم الأمور ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها أمرني ربي، وبعضها غفل فإن خرج الآمر مضى لغرضه وإن خرج الناهي أمسك وإن خرج الغفل أعاد ﴿ ذلكم فسق ﴾ أي تعاطيه فسق وخروج عن طاعة الله لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر الله به علام الغيوب ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ أي انقطع طمع الكافرين منكم ويئسوا أن ترجعوا عن دينكم قال ابن عباس: يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدا ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أي لا تخافوا المشركين ولا تهابوهم وخافون أنصركم عليهم وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ أي أكملت لكم الشريعة ببيان الحلال والحرام ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ بالهداية والتوفيق إلى أقوم طريق ﴿ ورضيت لكم الإسلم دينا ﴾ أي اخترت لكم الإسلام دينا من بين الأديان وهو الدين المرضي الذي لا يقبل الله دينا سواه