تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

72 - سورة الجن

72.1-28

اللغة: ﴿ الرشد ﴾ الحق والصواب ﴿ جد ﴾ الجد لغة: العظمة والجلال والسلطان يقال: جد فلان في عيني أي عظم وجل، والجد: الحظ، وأبو الأب ﴿ حرسا ﴾ جمع حارس او اسم جمع كخدم يقال: حرس وحراس، والحارس: الحافظ للشيء يرعاه ويرقبه ﴿ قددا ﴾ متفرقة مختلفة جمع قدة قال الشاعر:

" إذ هم طرائق في أهوائهم قدد "

﴿ غدقا ﴾ كثيرا واسعا ﴿ القاسطون ﴾ الجائرون عن طريق الحق، يقال قسط الرجل إذا جار ﴿ صعدا ﴾ شاقا يعلو الإنسان ويغلبه فلا يطيقه يقال: فلان في صعد من أمره أي في مشقة ﴿ يسلكه ﴾ يدخله ﴿ لبدا ﴾ متراكمين بعضهم فوق بعض يقال: تلبد الشيء أي تراكم بعضه فوق بعض ﴿ ملتحدا ﴾ ملجأ وحرزا يتحصن به الإنسان.

التفسير: ﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ﴾ أي قل يا محمد لقومك: إن ربي أوحى إلي أن جماعة من الجن استمعوا لتلاوتي للقرآن، فآمنوا به وصدقوه وأسلموا ﴿ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ أي فقالوا لقومهم حين رجعوا إليهم: إنا سمعنا قرآنا عجيبا، مؤثرا في حسن نظمه، وبلاغة أسلوبه، وما حواه من بديع الحكم والعظات و ﴿ عجبا ﴾ مصدر وصف به للمبالغة قال المفسرون: استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر، ولم يشعر بهم ولا باستماعهم، وإنما أخبر به الرسول بواسطة الوحي بدليل قوله ﴿ قل أوحي إلي ﴾ ويؤيده ما قصه الله على نبيه في سورة الأحقاف من خبرهم

وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين

[الأحقاف: 29] والغرض من الإخبار عن استماع الجن، توبيخ وتقريع قريش والعرب في كونهم تباطئوا عن الإيمان، إذ كانت الجن خيرا منهم وأسرع إلى الإيمان، فإنهم من حين ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا ورجعوا إلى قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا واستهزءوا وهم يعلمون أنه كلام معجز، وأن محمدا أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين موقف الإنس والجن!! ﴿ يهدي إلى الرشد فآمنا به ﴾ أي يهدي هذا القرآن إلى الحق والرشاد والصواب فصدقنا به ﴿ ولن نشرك بربنآ أحدا ﴾ أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، ولن نجعل لله شريكا بعد اليوم من خلقه قال الخازن: وفي الآية دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين ﴿ وأنه تعالى جد ربنا ﴾ أي تعالت عظمة ربنا وجلاله ﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾ أي ليس له زوجة ولا ولد، لأن الزوجة تتخذ للحاجة، والولد للاستئناس، والله تعالى منزه عن النقائص ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ﴾ أي وأن الأحمق الجاهل فينا كان ينسب إلى الله ما لا يليق بجلاله وقدسيته ويقول قولا شططا بعيدا عن الحق وحد الاعتدال قال مجاهد: السفيه هو إبليس دعاهم إلى عبادة غير الله ﴿ وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ﴾ أي كنا نظن أن أحدا لن يكذب على الله تعالى لا من الإنس ولا من الجن في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك قال الطبري: وإنما أنكر هؤلاء النفر من الجن أن تكون علمت أن أحدا يجترىء على الكذب على الله لما سمعت القرآن، لأنهم قبل أن يسمعوه وقبل أن يعلموا تكذيب الله للزاعمين لله الصاحبة والولد كانوا يحسبون أن إبليس صادق، فلما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذبا في ذلك فسموه سفيها ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ أي كان خلائق من الإنس يستجيرون برجال من الجن ﴿ فزادوهم رهقا ﴾ أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم إثما وطغيانا، وعتوا وضلالا قال أبو السعود: كان الرجل إذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه - يريد الجن وكبيرهم - فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، فزاد الرجال الجن تكبرا وعتوا، فذلك قوله ﴿ فزادوهم رهقا ﴾ ﴿ وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ﴾ أي وأن كفار الإنس ظنوا كما ظننتم يا معشر الجن، أن الله لن يبعث أحدا بعد الموت، فقد أنكروا البعث كما أنكرتموه أنتم ﴿ وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴾ يقول الجن: وأنا طلبنا بلوغ السماء لاستماع كلام أهلها، فوجدناها قد ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي تقذف من يحاول الاقتراب منها ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ﴾ أي كنا قبل بعثة محمد نطرق السماء لنستمع إلى أخبارها ونلقيها إلى الكهان ﴿ فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾ أي فمن يحاول الآن استراق السمع، يجد شهابا ينتظره بالمرصاد يحرقه ويهلكه ﴿ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ﴾ أي لا نعلم نحن معشر الجن ما الله فاعل بسكان الأرض، ولا نعلم هل امتلاء السماء بالحرس والشهب لعذاب يريد الله أن ينزله بأهل الأرض؟ ﴿ أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾ أي أم لخير يريده الله بهم، بأن يبعث فيهم رسولا مرشدا يرشدهم إلى الحق؟ وهذا من أدب الجن حيث نسبوا الخير إلى الله، ولم ينسبوا الشر إليه فقالوا ﴿ أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ﴾؟ قال ابن كثير: وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فرأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فدنوا منه حرصا على سماع القرآن ثم أسلموا ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي منا قوم صالحون أبرار، عاملون بما يرضي الله، ومنا قوم ليسوا صلحاء قال في التسهيل: وأرادوا بقولهم ﴿ دون ذلك ﴾ أي الذين ليس صلاحهم كاملا، أو الذين ليس لهم صلاح ﴿ كنا طرآئق قددا ﴾ أي كنا فرقا شتى، ومذاهب مختلفة، فمنا الصالح ومنا الطالح، وفينا التقي والشقي ﴿ وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ﴾ أي علمنا وأيقنا أن الله قادر علينا، وأننا في قبضته وسلطانه أينما كنا، لن نعجزه بهرب، ولن نتفلت من عقابه إذا أراد بنا سوءا قال القرطبي: أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله، أنا في قبضته وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٦٧