9- السجع المرصع مثل ﴿ ألفافا، أفواجا، أبوابا، مآبا، أحقابا ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
79 - سورة النازعات
79.1-46
اللغة: ﴿ واجفة ﴾ خائفة فزعة يقال: وجف القلب وجيفا إذا خفق واضطرب من شدة الفزع ﴿ الحافرة ﴾ الرجوع إلى الحالة التي كان عليها يقال: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء قال الشاعر:
أحافرة على صلع وشيب
معاذ الله من سفه وعار
﴿ الساهرة ﴾ وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض والفلاة ساهرة لأنه يسهر عليها ﴿ سمكها ﴾ السمك: العلو والارتفاع، وبناء ممسوك أي عال مرتفع ﴿ أغطش ﴾ أظلم يقال: غطش الليل وأغطشه الله أي صار مظلما وأظلمه الله ﴿ دحاها ﴾ بسطها وسواها قال زيد بن عمرو:
دحاها فلما استوت شدها
بأيد وأرسى عليها الجبالا
﴿ الطآمة ﴾ الداهية العظمى التي لا تستطاع قال الشاعر:
إن بعض الحب يعمي ويصم
وكذاك البغض أدهى وأطم
التفسير: ﴿ والنازعات غرقا ﴾ أي أقسم بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا بالغا أقصى الغاية في الشدة والعسر ﴿ والناشطات نشطا ﴾ أي وأقسم بالملائكة التي تنزع أرواح المؤمنين بسهولة ويسر، وتسلها سلا رفيقا قال ابن مسعود: إن ملك الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود - سيخ الحديد - الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء، وينزع روح المؤمن برفق ولين، ويقبضها كما ينشط العقال من يد البعير قال ابن كثير: أقسم سبحانه بالملائكة حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط ﴿ والسابحات سبحا ﴾ أي وأقسم بالملائكة التي تنزل بأمر الله ووحيه من السماء كالذي يسبح في الماء، مسرعين لتنفيذ أمر الله ﴿ فالسابقات سبقا ﴾ أي الملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ أي الملائكة تدبر شئون الكون بأمره تعالى، في الرياح، والأمطار، والأرزاق، والأعمار، وغير ذلك من شئون الدنيا، أقسم سبحانه بهذه الأصناف الخمسة على أن القيامة حق، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن ولتحاسبن، وقد دل عليه قوله ﴿ يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة ﴾ أي يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى التي يرتجف ويتزلزل لها كل شيء، تتبعها النفخة الثانية وهي نفخة القيام من القبور قال ابن عباس: الراجفة والرادفة هما النفختان الأولى والثانية، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى.. ثم ذكر تعالى حالة المكذبين وما يلقونه من الشدائد والأهوال فقال ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ أي قلوب الكفار في ذلك اليوم خائفة وجلة مضطربة ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ أي أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال ﴿ يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي يقولون في الدنيا استهزاء واستبعادا للبعث: أنرد بعد الموت فنصير أحياء بعد فنائنا ونرجع كما كنا أول مرة؟ قال القرطبي: إذا قيل لهم: إنكم تبعثون قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ والعرب تقول: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء ﴿ أإذا كنا عظاما نخرة ﴾ أي هل إذا صرنا عظاما بالية متفتتة سنرد ونبعث من جديد؟ ﴿ قالوا تلك إذا كرة خاسرة ﴾ أي إن كان البعث حقا، وبعثنا بعد موتنا فسوف نكون من الخاسرين لأننا من أهل النار، قال تعالى ﴿ فإنما هي زجرة واحدة ﴾ أي فإنما هي صيحة واحدة، ينفخ فيها في الصور للقيام من القبور ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ أي فإذا الخلائق جميعا على وجه الأرض بعدما كانوا في بطنها.
. ثم ذكر تعالى قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذيرا لقومه أن يحل بهم ما حل بالطغاة المكذبين من قوم فرعون فقال ﴿ هل أتاك حديث موسى ﴾ أسلوب تشويق وترغيب لسماع القصة أي هل جاءك يا محمد خبر موسى الكليم؟ ﴿ إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ﴾ أي حين ناجاه ربه بالوادي المطهر المبارك المسمى ﴿ طوى ﴾ في أسفل جبل طور سيناء، قائلا له ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى ﴾ أي إذهب إلى فرعون الطاغية الجبار، الذي جاوز الحد في الظلم والطغيان ﴿ فقل هل لك إلى أن تزكى ﴾؟ أي هل لك رغبة وميل إلى أن تتطهر من الذنوب والآثام؟ ﴿ وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ أي وأرشدك إلى معرفة ربك وطاعته فتتقيه وتخشاه؟ قال الزمخشري: ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله أتى منه كل خير، وبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرفيق الرقيق ليستدعيه بالتلطف، ويستنزله بالمداراة من عتوه كما في قوله تعالى