تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60 - سورة الممتحنة

60.1-13

اللغة: ﴿ أوليآء ﴾ أصدقاء وأحباء جمع ولي وهو الصديق والناصر والمعين ﴿ يثقفوكم ﴾ يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه قولهم " رجل ثقف لقف " ثم استعمل في الظفر والإدراك مطلقا ﴿ أسوة ﴾ قدوة يقتدى به ﴿ أرحامكم ﴾ جمع رحم وهو في الأصل رحم المرأة، واشتهر في القرابة حتى صار كالحقيقة فيها ﴿ ظاهروا ﴾ أعانوا ﴿ عصم ﴾ جمع عصمة وهي ما يعتصم ويتمسك به الإنسان من حبل أو عقد والمراد به هنا عقد النكاح ﴿ الكوافر ﴾ جمع كافرة وهي التي لا تؤمن بالله.

سبب النزول:

" لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، كتب " حاطب بن أبي بلتعة " إلى أهل مكة يخبرهم بذلك وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل الكتاب مع ظعينة أي امرأة مسافرة - فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، والزبير، والمقداد وقال: " انطلقوا حتى تأتوا " روضة خاخ " فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوني به " فخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا لها أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقال لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟ فقال يا رسول الله: لا تعجل علي إني كنت أمرءا ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا وارتدادا عن ديني، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! فنزلت ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء.. ﴾ "

الآية.

التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء ﴾ أي يا معشر المؤمنين، يا من صدقتم بالله ورسوله، لا تتخذوا الكفار الذين هم أعدائي وأعداؤكم أصدقاء وأحباء، فإن من علامة الإيمان بغض أعداء الله لا مودتهم وصداقتهم قال في التسهيل: نزلت عتابا لحاطب وزجرا عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريف له لأن الله شهد له بالإيمان في قوله ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ ﴿ تلقون إليهم بالمودة ﴾ أي تحبونهم وتودونهم وتصادقونهم مع أنهم أعداء ألداء لكم قال القرطبي: أي تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم ﴿ وقد كفروا بما جآءكم من الحق ﴾ أي والحال أنهم كافرون بدينكم وبقرآنكم الذي أنزله الله عليكم بالحق الواضح ﴿ يخرجون الرسول وإياكم ﴾ أي يخرجون محمدا من مكة ظلما وعدوانا كما يخرجون أيضا منها المؤمنين قال في البحر: وقدم الرسول تشريفا له ولأنه الأصل للمؤمنين، ومعنى إخراجهم أنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إلى المدينة ﴿ أن تؤمنوا بالله ربكم ﴾ أي من أجل أنكم آمنتم بالله الواحد الأحد كقوله

وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد

[البروج: 8] ﴿ إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي ﴾ شرط حذف جوابه أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيل الله طلبا لرضوانه فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء قال الألوسي: وجواب الشرط محذوف دل عليه ما تقدم كأنه قيل: لا تتخذوا أعدائي إن كنتم أوليائي ﴿ تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ﴾ أي تسرون إليهم بالنصيحة وأنا العالم بسريرتكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أحوالكم؟ والغرض منه التوبيخ والعتاب ﴿ ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل ﴾ أي ومن يصادق أعداء الله، ويفش أسرار الرسول، فقد حاد عن طريق الحق والصواب.. ثم أخبر تعالى المؤمنين بعداوة الكفار الشديدة لهم، المستحكمة في قلوبهم فقال ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ﴾ أي إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، يظهروا ما في قلوبهم من العداوة الشديدة لكم ﴿ ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ أي يمدوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالشتم والسب ﴿ وودوا لو تكفرون ﴾ أي وقد تمنوا أن تكفروا لتكونوا مثلهم قال الزمخشري: وإنما أورده بذكر الماضي ﴿ وودوا ﴾ بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع ﴿ لو تكفرون ﴾ لأنهم أرادوا كفرهم قبل كل شيء كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٢٢