البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الاستفهام التقريري ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾؟
2- الطباق بين ﴿ الشفع.. والوتر ﴾.
3- جناس الاشتقاق ﴿ لا يعذب عذابه أحد ﴾ ﴿ ولا يوثق وثاقه ﴾ ﴿ يتذكر.. الذكرى ﴾.
4- المقابلة ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ﴾ وبين ﴿ وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه.. ﴾ الآية فقد قابل بين ﴿ أكرمن و أهانن ﴾ وبين توسعة الرزق.
5- الاستعارة اللطيفة الفائقة ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ شبه العذاب الشديد الذي نزل عليهم بسياط لاذعة تكوي جسد المعذب واستعمل الصب للإنزال.
6- الالتفات ﴿ كلا بل لا تكرمون اليتيم ﴾ فيه التفات من ضمير الغائب الى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب، والأصل ﴿ بل لا يكرمون ﴾.
7- الإضافة للتشريف ﴿ فادخلي في عبادي ﴾.
8- السجع الرصين غير المتكلف مثل ﴿ وليال عشر * والشفع والوتر * واليل إذا يسر ﴾ ومثل ﴿ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد ﴾ الآيات.
90 - سورة البلد
90.1-20
اللغة: ﴿ كبد ﴾ الكبد: الشدة والمشقة، وأصله من كبد الرجل كبدا إذا وجعته كبده ثم استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد ﴿ اقتحم ﴾ الاقتحام: الدخول بسرعة وشدة يقال: اقتحم الأمر، واقتحم الحصن إذا رمى نفسه فيه بدون روية ﴿ العقبة ﴾ الطريق الوعر في الجبل ﴿ فك ﴾ الفك تخليص الشيء من الشيء يقال: فككت الحبل، وفككت الأسير أي خلصته من الأسر ﴿ مسغبة ﴾ مجاعة يقال: سغب الرجل إذا جاع وقال الراغب: هو الجوع مع التعب ﴿ متربة ﴾ افتقار يقال: ترب الرجل إذا افتقر ولصق بالتراب، وأترب إذا استغنى وكذلك أثرى ﴿ مؤصدة ﴾ مطبقة من أوصد الباب إذا أغلقه وأطبقه.
التفسير: ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ هذا قسم، أقسم سبحانه بالبلد الحرام " مكة " التي شرفها الله تعالى بالبيت العتيق - قبلة أهل الشرق والغرب - وجعلها مهبط الرحمات، وإليها تجبى ثمرات كل شيء، وجعلها حرما آمنا، وجعل حرمتها منذ خلق السماوات والأرض، فلما استجمعت تلك المزايا والفضائل أقسم الله تعالى بها قال في التسهيل: أراد بالبلد " مكة " باتفاق، وأقسم بها تشريفا لها ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ أي وأنت يا محمد ساكن ومقيم بمكة بلد الله الأمين قال البيضاوي أقسم بالبلد الحرام وقيده بحلوله عليه السلام فيه - أي إقامته فيه - إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله ﴿ ووالد وما ولد ﴾ أي وأقسم بآدم وذريته الصالحين قال مجاهد: الوالد آدم عليه السلام ﴿ وما ولد ﴾ جميع ذريته قال ابن كثير: وما ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن، أقسم بعده بالساكن وهو " آدم " أبو البشر وولده وقال الخازن: أقسم الله تعالى بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالآنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر - وإن كان من ذريته - لا حرمة له حتى يقسم به ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ هذا هو المقسم عليه أي لقد خلقنا الإنسان في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي أنواع الشدائد، من وقت نفخ الروح فيه إلى حين نزعها منه قال ابن عباس: ﴿ في كبد ﴾ أي في مشقة وشدة، من حمله، وولادته، ورضاعه، وفطامه، ومعاشه، وحياته، وموته، وأصل الكبد: الشدة، وقيل: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق قال أبو السعود: والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يكابده من كفار مكة.. ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإنسان الجاحد بقدرة الله، والمكذب للبعث والنشور فقال ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ أي أيظن هذا الشقي الفاجر، المغتر بقوته، أن الله تعالى لا يقدر عليه لشدته وقوته؟ قال المفسرون: نزلت في " أبي الأشد بن كلدة " كان شديدا مغترا بقوته، وكان يبسط له الأديم - الجلد - فيوضع تحت قدميه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا ولا تزل قدماه، ومعنى الآية: أيظن هذا القوي المارد، المستضعف للمؤمنين، أنه لن يقدر على الانتقام منه أحد؟ ﴿ يقول أهلكت مالا لبدا ﴾ أي يقول هذا الكافر: أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم قال الألوسي: أي يقول فخرا ومباهاة على المؤمنين: أنفقت مالا كثيرا، وأراد بذلك ما أنفقه " رياء وسمعة " وعبر عن الإنفاق بالإهلاك، إظهارا لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل المال الكثير ضائعا، وقيل يقول ذلك إظهارا لشدة عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾؟ أي أيظن أن الله تعالى لم يره حين كان ينفق، ويظن أن أعماله تخفى على رب العباد؟ ليس الأمر كما يظن، بل إن الله رقيب مطلع عليه، سيسأله يوم القيامة ويجازيه عليه.