البلاغة: في الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
1- التشبيه في قوله
كذلك أرسلناك
[الرعد: 30] وفي ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ ويسمى مرسلا مجملا.
2- الإيجاز بالحذف في ﴿ أكلها دآئم وظلها ﴾ أي وظلها دائم حذف منه الخبر بدليل السابق.
3- المقابلة في ﴿ تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
4- جناس الاشتقاق في ﴿ أرسلنا رسلا ﴾.
5- الطباق في ﴿ يمحوا.... ويثبت ﴾.
6- القصر في ﴿ إنمآ أمرت أن أعبد الله ﴾ وفي ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ وكلاهما قصر إضافي من باب قصر الموصوف على الصفة أي ليس لك من الصفات إلا صفة التبليغ.
7- التهييج والإلهاب ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾.
8- المجاز المرسل في ﴿ نأتي الأرض ﴾ أي يأتيها أمرنا وعذابنا.
لطيفة: فسر بعضهم قوله تعالى ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ أن نقصانها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير والصلاح، وهذا مروي عن مجاهد وابن عباس في رواية عنه وأنشد بعضهم:
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها
متى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها
وإن أبى عاد في أكنافها التلف
14 - سورة ابراهيم
14.1-17
اللغة: ﴿ ويل ﴾ هلاك ودمار ﴿ يستحبون ﴾ يختارون ويفضلون ﴿ يسومونكم ﴾ يذيقونكم يقال: سامه الذل أي أذاقه الذل ﴿ تأذن ﴾ أعلم إعلاما لا شبهة فيه ﴿ نبأ ﴾ النبأ: الخبر وجمعه أنباء ﴿ سلطان ﴾ حجة وبرهان ﴿ فاطر ﴾ مبدع ومخترع ﴿ استفتحوا ﴾ استنصروا على أعدائهم ﴿ جبار ﴾ الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا ﴿ عنيد ﴾ العنيد: المعاند للحق والمجانب له الذي يذهب عن طريق الحق، تقول العرب: شر الإبل العنود ﴿ صديد ﴾ الصديد: القيح الذي يسيل من أجساد أهل النار ﴿ يتجرعه ﴾ أي يتحساه ويتكلف بلعه بمرارة ﴿ يسيغه ﴾ يبتلعه.
التفسير: ﴿ الر ﴾ هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة فأتوا بمثله إن استطعتم ﴿ كتاب أنزلناه إليك ﴾ أي هذا القرآن كتاب أنزلناه عليك يا محمد، لم تنشئه أنت وإنما أوحيناه نحن إليك ﴿ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ أي لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بأمره وتوفيقه ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ أي لتهديهم إلى طريق الله العزيز الذي لا يغالب، المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان ﴿ الله الذي له ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي المالك لما في السماوات والأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه ﴿ وويل للكافرين من عذاب شديد ﴾ قال الزجاج: ﴿ ويل ﴾ كلمة تقال للعذاب والهلكة، أي هلاك ودمار للكافرين ويا ويلهم من عذاب الله الأليم، ثم وضح صفات أولئك الكفار بقوله ﴿ الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ﴾ أي يفضلون ويؤثرون الحياة الفانية على الحياة الآخرة الباقية ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يصرفون الناس ويمنعونهم عن دين الإسلام ﴿ ويبغونها عوجا ﴾ أي يطلبون أن تكون دين الله معوجة لتوافق أهواءهم ﴿ أولئك في ضلال بعيد ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة في ضلال عن الحق مبين، لا يرجى لهم صلاح ولا نجاح ﴿ ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي وما أرسلنا في الأمم الخالية رسولا من الرسل إلا بلغة قومه ﴿ ليبين لهم ﴾ أي ليبين لهم شريعة الله ويفهمهم مراده، لتتم الغاية من الرسالة ﴿ فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء ﴾ أي وليست وظيفة الرسل إلا التبليغ وأما أمر الهداية والإيمان فذلك بيد الله يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته على ما سبق به قضاؤه المحكم ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ أي وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه ﴿ ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ ﴾ أي أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه ﴿ أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ﴾ أن تفسيرية بمعنى أي والمعنى أي أخرج بني إسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان والتوحيد قال أبو حيان: وفي قوله ﴿ قومك ﴾ خصوص لرسالة موسى إلى قومه بخلاف قوله لمحمد ﴿ لتخرج الناس ﴾ مما يدل على عموم الرسالة ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ أي ذكرهم بأياديه ونعمه عليهم ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ أي في التذكير بأيام الله لعبرا ودلالات لكل عبد منيب صابر على البلاء، شاكر للنعماء ﴿ وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ أي اذكروا نعم الله الجليلة عليكم ﴿ إذ أنجاكم من آل فرعون ﴾ أي حين نجاكم من الذل والاستعباد من فرعون وزبانيته ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ أي يذيقونكم أسوأ أنواع العذاب ﴿ ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ﴾ أي يذبحون الذكور ويستبقون الإناث على قيد الحياة مع الذل والصغار ﴿ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ أي وفي تلك المحنة ابتلاء واختبار لكم من ربكم عظيم قال المفسرون: وكان سبب قتل الذكور أن الكهنة قالوا لفرعون إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل كل مولود ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ هذا من تتمة كلام موسى أي واذكروا أيضا حين أعلم ربكم إعلاما لا شبهة فيه لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي ﴿ ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾ أي ولئن جحدتم نعمتي بالكفر والعصيان فإن عذابي شديد، وعد بالعذاب على الكفر، كما وعد بالزيادة على الشكر ﴿ وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ﴾ أي وقال موسى لبني إسرائيل بعد أن أيس من إيمانهم لئن كفرتم أنتم وجميع الخلائق فلن تضروا الله شيئا ﴿ فإن الله لغني حميد ﴾ أي هو غني عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته وهو المحمود وإن كفره من كفره ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ﴾ أي ألم يأتكم أخبار من قبلكم من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ماذا حل بهم لما كذبوا بآيات الله؟ ﴿ والذين من بعدهم ﴾ أي والأمم الذين جاءوا بعدهم ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ أي لا يحصي عددهم إلا الله ﴿ جآءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالحجج الواضحات، والدلائل الباهرات ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ أي وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم وقال ابن مسعود: عضوا أصابعهم غيظا ﴿ وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به ﴾ أي كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به ﴿ وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب ﴾ أي في شك عظيم من دعوتكم، وقلق واضطراب من دينكم ﴿ قالت رسلهم أفي الله شك ﴾ أي أجابهم الرسل بقولهم: أفي وجود الله ووحدانيته شك؟ والاستفهام للإنكار والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة ولهذا لفتوا الانتباه إلى براهين وجوده بقولهم ﴿ فاطر السموت والأرض ﴾ أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق ﴿ يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ أي يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم ذنوبكم ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ أي إن آمنتم أمد في أعماركم إلى منتهى آجالكم ولم يعاقبكم في العاجل فيهلككم ﴿ قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ أي ما أنتم إلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا ﴾ أي تريدون أن تصرفونا عن عبادة الأوثان التي كان عليها آباؤنا ﴿ فأتونا بسلطان مبين ﴾ أي فأتونا بحجة ظاهرة على صدقكم ﴿ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ﴾ أي قالت الرسل: نحن كما قلتم بشر مثلكم ﴿ ولكن الله يمن على من يشآء من عباده ﴾ أي يتفضل على من يشاء بالنبوة والرسالة قال الزمخشري: لم يذكروا فضلهم تواضعا منهم وسلموا لقولهم وأنهم بشر مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم ﴿ وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ﴾ أي وما ينبغي لنا أن نأتيكم بحجة وآية مما اقترحتموه علينا إلا بمشئية الله وإذنه ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي على الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم ﴿ وما لنآ ألا نتوكل على الله ﴾ أي قالت الرسل: أي شيء يمنعنا من التوكل على الله؟ ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ أي والحال أنه قد بصرنا طريق النجاة من عذابه ﴿ ولنصبرن على مآ آذيتمونا ﴾ أي ولنصبرن على أذاكم قال ابن الجوزي: وإنما قص هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ ليس هذا تكرارا وإنما معناه الثبات على التوكل أي فليدوموا وليثبتوا على التوكل عليه وحده، وهنا يسفر الطغيان عن وجهه متبجحا بالقوة المادية التي يملكها المتجبرون ﴿ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا ﴾ أي قال الكفار للرسل الأطهار والله لنطردنكم من ديارنا أو لترجعن إلى ديننا ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أي أوحى الله إلى الرسل لأهلكن أعداءكم الكافرين المتجبرين ﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ أي ولأمنحنكم سكنى أرضهم بعد هلاكهم ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ أي ذلك النصر للرسل وإهلاك الظالمين لمن خاف مقامه بين يدي وخاف عذابي ووعيدي قال في البحر: ولما أقسموا على إخراج الرسل أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إهلاكهم، وأي إخراج أعظم من الإهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إليها أبدا ﴿ واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ﴾ أي واستنصر الرسل بالله على قومهم وخسر وهلك كل متجبر معاند للحق ﴿ من ورآئه جهنم ويسقى من مآء صديد ﴾ أي من وراء ذلك الكافر جهنم ويسقى فيها من ماء صديد هو من قيح ودم ﴿ يتجرعه ولا يكاد يسيغه ﴾ أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته، ولا يكاد يستسيغه لقبحه وكراهته ﴿ ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ﴾ أي يأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت ليستكمل عذابه ﴿ ومن ورآئه عذاب غليظ ﴾ أي ومن بين يديه عذاب أشد مما قبله وأغلظ.