اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138] وقال أبو حيان: وهذا اللفظ يقتضي ظاهره الشك في قدرة الله تعالى على أن ينزل مائدة من السماء وهذا ما ذهب إليه الزمخشري وأما غيره من أهل التفسير فأطبقوا على أن الحواريين كانوا مؤمنين وهم خواص عيسى وأنهم لم يشكوا في ذلك حتى قال الحسن: لم يشكوا في قدرة الله وإنما سألوه سؤال مستخبر هل ينزل أم لا؟ فإن كان ينزل فاسأله لنا فسؤالهم كان للاطمئنان والتثبت ﴿ قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ أي اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى ﴿ قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ﴾ أي قال الحواريون نريد بسؤالنا المائدة أن نأكل منها تبركا وتسكن نفوسنا بزيادة اليقين ﴿ ونعلم أن قد صدقتنا ﴾ أي ونعلم علما يقينا لا يحوم حوله شائبة من الشك بصدقك في دعوى النبوة ﴿ ونكون عليها من الشاهدين ﴾ أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ﴿ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء ﴾ أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة لإلزامهم بالحجة الدامغة وروي أنه لما أراد الدعاء لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويدعو ربه ويبكي قال أبو السعود: نادى عيسى ربه مرتين: مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات، ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إظهارا لغاية التضرع ﴿ تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ﴾ أي يكون يوم فرح وسرور لنا ولمن يأتي بعدنا ﴿ وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ﴾ أي ودلالة وحجة شاهدة على صدق رسولك وارزقنا يا ألله فإنك خير من يعطي ويرزق لأنك الغني الحميد ﴿ قال الله إني منزلها عليكم ﴾ أي أجاب الله دعاءه فقال إني سأنزل عليكم هذه المائدة من السماء ﴿ فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ﴾ أي من كفر بعد تلك الآية الباهرة فسوف أعذبه عذابا شديدا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا من البشر وفي الحديث
" أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يدخروا لغد ولا يخونوا فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير "
قال في التسهيل: جرت عادة الله عز وجل بعقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيها، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير ﴿ وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ هذا عطف قصة على قصة ﴿ إذ قال الحواريون ﴾ ﴿ وإذ قال الله يعيسى ﴾ قال ابن عباس: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رءوس الخلائق ليعلم الكفار أنهم كانوا على باطل والمعنى: اذكر للناس يوم يخاطب الله عبده ورسوله عيسى بن مريم في الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم قائلا: يا عيسى أأنت دعوت الناس إلى عبادتك والاعتقاد بألوهيتك وألوهية أمك؟! قال القرطبي: إنما سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بك يا رب فما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ أي إن كان ذلك صدر مني فإنك لا يخفى عليك شيء وأنت العالم بأني لم أقله، وهذا اعتذار وبراءة من ذلك القول ومبالغة في الأدب وإظهار الذلة والمسكنة في حضرة ذي الجلال ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ﴾ أي تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه ولا أعلم حقيقة ذاتك وما احتوت عليه من صفات الكمال إنك أنت العالم بالخفايا والنوايا وعلمك محيط بما كان وما يكون ﴿ ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به ﴾ أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به قال الرازي: وضع القول موضع الأمر نزولا على موجب الأدب لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا ﴿ أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ أي قلت لهم اعبدوا الله خالقي وخالقكم فأنا عبد مثلكم ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ﴾ أي كنت شاهدا على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم ﴿ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ﴾ أي فلما قبضتني إليك بالرفع إلى السماء كنت يا ألله الحفيظ لأعمالهم، والشاهد على أفعالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ أي وأنت المطلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾ أي إن تعذبهم فأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ﴿ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ أي وإن تغفر لمن تاب منهم فإنك أنت الغالب على أمره الحكيم في صنعه ﴿ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ أي يوم القيامة ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم لأنه يوم الجزاء ﴿ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ﴾ أي لهم جنات تجري من تحت غرفها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها لا يخرجون منها أبدا ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ﴾ أي نالوا رضوان الله لصدقهم ورضوا عن الله فيما أثابهم وجازاهم ذلك هو الظفر والفوز الكبير بجنات النعيم ﴿ لله ملك السموت والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ﴾ أي الجميع ملكه وتحت قهره ومشيئته وهو القادر على كل شيء.