5.82-96
المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال اليهود والنصارى وما هم عليه من الزيغ والضلال، ذكر هنا أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، وذكر أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم، ثم لما استقصى المناظرة مع أهل الكتاب عاد إلى بيان الأحكام الشرعية فذكر منها كفارة اليمين، وتحريم الخمر والميسر، وجزاء قتل الصيد في حالة الإحرام.
اللغة: ﴿ قسيسين ﴾ القس والقسيس اسم لرئيس النصارى ومعناه العالم ﴿ رهبانا ﴾ جمع راهب وأصله من الرهبة بمعنى المخافة، والرهبانية والترهب التعبد في الصومعة ﴿ تفيض ﴾ الفيض أن يمتلئ الإناء ويسيل من شدة الامتلاء يقال: فاض الماء وفاض الدمع قال الشاعر:
ففاضت دموع العين مني صبابة
على النحر حتى بل دمعي محملي
﴿ رجس ﴾ قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل ويقال للعذرة والأقذار رجس لأنها قذارة ونجاسة ﴿ الجحيم ﴾ النار الشديدة الاتقاد ﴿ الصيد ﴾ كل ما يصطاد من حيوان وطير وغيره فالصيد يطلق على المصيد قال الشاعر:
صيد الملوك أرانب وثعالب
وإذا ركبت فصيدي الأبطال
سبب النزول: أ - عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني إذا أكلت هذا اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي وإني حرمت علي اللحم فأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ الآية.
ب - عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت " أبي طلحة " وما شرابهم إلا الفضيخ والبسر والتمر، وإذا مناد ينادي إن الخمر قد حرمت قال: فأريقت في سكك المدينة فقال أبو طلحة إذهب فأهرقها فقال بعض القوم قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾.
التفسير: ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ اللام للقسم أي قسما لتجدن يا محمد اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للمؤمنين ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه قال الزمخشري: وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق، ولين عريكة النصارى وسهولة ميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين بل نبه على زيادة عداوتهم بتقديمهم على الذين أشركوا ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ﴾ تعليل لقرب مودتهم أي كونهم أقرب مودة بسبب أن منهم علماء وعبادا ﴿ وأنهم لا يستكبرون ﴾ أي يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود قال البيضاوي: وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات، محمود وإن كان من كافر ﴿ وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ﴾ أي إذا سمعوا القرآن المنزل على محمد رسول الله ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ أي فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله لرقة قلوبهم وتأثرهم بكلام الله الجليل ﴿ مما عرفوا من الحق ﴾ أي من أجل معرفتهم أنه كلام الله وأنه حق ﴿ يقولون ربنآ آمنا ﴾ أي يقولون يا ربنا صدقنا بنبيك وكتابك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ أي مع أمة محمد عليه السلام الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم " جعفر بن أبي طالب " بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ﴾ أي ما الذي يمنعنا عن الإيمان ويصدنا عن اتباع الحق وقد لاح لنا الصواب وظهر الحق المنير؟ قالوا ذلك في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود قال في البحر: هذا إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه وهو عرفان الحق ﴿ ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ﴾ أي والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة بصحبة الصالحين من عباده الأبرار ﴿ فأثابهم الله بما قالوا ﴾ أي جازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون ﴿ وذلك جزآء المحسنين ﴾ أي ذلك الأجر والثواب جزاء من أحسن عمله وأصلح نيته، ثم أخبر تعالى عن حال الأشقياء فقال ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ أي جحدوا بآيات الله وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهم أهل الجحيم المعذبون فيها قال أبو السعود: وذكرهم بمقابلة المصدقين بآيات الله جمعا بين الترغيب والترهيب ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ روى الطبري عن عكرمة قال: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء فنزلت هذه الآية أي لا تمنعوا أنفسكم تلك اللذائذ وتقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة في تركها وتقشفا وتزهدا ﴿ ولا تعتدوا ﴾ أي ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم بتجاوز الحلال إلى الحرام ﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ أي يبغض المتجاوزين الحد، والإسلام يدعو إلى القصد بدون إفراط أو تفريط ولهذا قال ﴿ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ﴾ أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله قال في التسهيل: أي تمتعوا بالمآكل الحلال وبالنساء وغير ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أعظم حاجات الإنسان ﴿ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه كأنه يقول: لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في طاعة الله عز وجل فتكون عليكم الحسرة العظمى فإن الإيمان بالله تعالى يوجب المبالغة في تقوى الله ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ أي لا يؤاخذكم بما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف كقولكم لا والله، وبلى والله ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ أي ولكن يؤاخذكم بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية إذا حنثتم ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ أي كفارة اليمين عند الحنث أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تطعمون منه أهليكم قال ابن عباس: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم وقال ابن عمر: الأوسط الخبز والتمر، والخبز والزبيب، وخير ما نطعم أهلينا الخبز واللحم ﴿ أو كسوتهم ﴾ أي كسوة المساكين لكل مسكين ثوب يستر البدن ﴿ أو تحرير رقبة ﴾ أي إعتاق عبد مملوك لوجه الله قال في البحر: وأجمع العلماء على أن الحانث مخير بين الإطعام والكسوة والعتق ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ﴾ أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام ﴿ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ أي هذه كفارة اليمين الشرعية عند الحنث ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ أي احفظوها عن الابتذال ولا تحلفوا إلا لضرورة قال ابن عباس: أي لا تحلفوا وقال ابن جرير: أي لا تتركوها بغير تكفير ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ﴾ أي مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الأحكام الشرعية ويوضحها لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم ﴿ يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ قال ابن عباس: الخمر جمع الأشربة التي تسكر، والميسر القمار كانوا يتقامرون به في الجاهلية ﴿ والأنصاب والأزلام ﴾ أي الأصنام المنصوبة للعبادة والأقداح التي كانت عند سدنة البيت وخدام الأصنام قال ابن عباس ومجاهد: الأنصاب حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ أي قذر ونجس تعافه العقول، وخبيث مستقذر من تزيين الشيطان ﴿ فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ أي اتركوه وكونوا في جانب آخر بعيدين عن هذه القاذورات لتفوزوا بالثواب العظيم ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ﴾ أي ما يريد الشيطان بهذه الرذائل إلا إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين في شربهم الخمر ولعبهم بالقمار ﴿ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ﴾ أي ويمنعكم بالخمر والميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم وعن الصلاة التي هي عماد دينكم قال أبو حيان: ذكر تعالى في الخمر والميسر مفسدتين: إحداهما دنيوية، والأخرى دينية، فأما الدنيوية فإن الخمر تثير الشرور والأحقاد وتئول بشاربها إلى التقاطع، وأما الميسر فإن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سليبا لا شيء له وينتهي إلى أن يقامر حتى على أهله وولده، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور والطرب بها تلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، والميسر - سواء كان غالبا أو مغلوبا - يلهي عن ذكر الله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ الصيغة للاستفهام ومعناه الأمر أي انتهوا ولذلك قال عمر: انتهينا ربنا انتهينا قال في البحر: وهذا الاستفهام من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من المفاسد التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهون أم باقون على حالكم؟ ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله واحذروا مخالفتهما ﴿ فإن توليتم ﴾ أي أعرضتم ولم تعملوا بأمر الله ورسوله ﴿ فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ أي ليس عليه هدايتكم وإنما عليه تبليغكم الرسالة وجزاؤكم علينا قال الطبري: وهذا من الله وعيد لمن تولى عن أمره ونهيه يقول تعالى ذكره لهم: فإن توليتم عن أمري ونهي فتوقعوا عقابي واحذروا سخطي وقال أبو حيان: وفي هذا من الوعيد البالغ ما لا خفاء به إذ تضمن أن عقابكم إنما يتولاه المرسل لا الرسول ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ قال ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر قال قوم كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر فنزلت فأخبر تعالى أن الإثم والذم إنما يتعلق بفعل المعاصي والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين ﴿ إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي ليس عليهم جناح فيما تناولوه من المأكول والمشروب إذا اتقوا المحرم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة ﴿ ثم اتقوا وآمنوا ﴾ أي اتقوا المحرم وآمنوا بتحريمه بمعنى اجتنبوا ما حرمه الله معتقدين حرمته ﴿ ثم اتقوا وأحسنوا ﴾ أي ثم استمروا على تقوى الله واجتناب المحارم وعملوا الأعمال الحسنة التي تقربهم من الله ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ أي يحب المتقربين إليه بالأعمال الصالحة قال في التسهيل: كرر التقوى مبالغة وقيل: الرتبة الأولى: إتقاء الشرك، والثانية: اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به حذرا مما به البأس ﴿ يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ﴾ أي ليختبرنكم الله في حال إحرامكم بالحج أو العمرة بشيء من الصيد تنال صغاره الأيدي وكباره الرماح قال البيضاوي: نزل في عام الحديبية ابتلاهم الله سبحانه وتعالى: بالصيد وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون قال في البحر: وكان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾ أي ليتميز الخائف من الله بطريق الغيب لقوة إيمانه ممن لا يخاف الله لضعف إيمانه ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ أي فمن تعرض للصيد بعد هذا الإعلام والإنذار فله عذاب مؤلم موجع ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ أي لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة ﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من النعم ﴾ أي من قتل الصيد في حالة الإحرام فعليه جزاء يماثل ما قتل من النعم وهي الإبل والبقر والغنم ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ أي يحكم بالمثل حكمان عادلان من المسلمين ﴿ هديا بالغ الكعبة ﴾ أي حال كونه هديا ينحر ويتصدق به على مساكينه فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته ﴿ أو كفارة طعام مساكين ﴾ أي وإذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم فيقوم الصيد المقتول ثم يشترى به طعام فيصرف لكل مسكين مد منه ﴿ أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره ﴾ أي عليه مثل ذلك الطعام صياما يصومه عن كل مد يوما ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام قال في التسهيل: عدد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولا الجزاء من النعم، ثم الطعام، ثم الصيام ومذهب مالك والجمهور أنها على التخيير وهو الذي يقتضيه العطف ب " أو " وعن ابن عباس أنها على الترتيب ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ أي من قتل الصيد قبل التحريم ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ أي ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم فينتقم الله منه في الآخرة ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ أي غالب على أمره منتقم ممن عصاه ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي أحل لكم أيها الناس صيد البحر سواء كنتم محرمين أو غير محرمين ﴿ وطعامه متاعا لكم وللسيارة ﴾ أي وما يطعم من صيده كالسمك وغيره منفعة وقوتا لكم وزادا للمسافرين يتزودونه في أسفارهم ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ﴾ أي وحرم عليكم صيد البر ما دمتم محرمين ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ أي خافوا الله الذي تبعثون إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم وهو وعيد وتهديد.