تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.41-50

المناسبة: لما ذكر تعالى قصة ابني آدم وإقدام الأخ على قتل أخيه بسبب البغي والحسد وذكر أحكام الحرابة والسرقة، أعقبه بذكر أمر المنافقين وأمر اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتربصهم به وبأصحابه الدوائر، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن لما يناله من أذى من أعداء الإنسانية فالله سيعصمه من شرهم، وينجيه من مكرهم، ثم ذكر ما أنزل الله من أحكام نورانية في شريعة التوراة.

اللغة: ﴿ يحزنك ﴾ الحزن والحزن خلاف السرور ﴿ السحت ﴾: الحرام سمي بذلك لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وأصل السحت: الهلاك قال تعالى

فيسحتكم بعذاب

[طه: 61] أي يستأصلكم ويهلككم ﴿ الأحبار ﴾ جمع حبر وهو العالم مأخوذ من التحبير وهو التحسين ﴿ وقفينا ﴾ أتبعنا ﴿ مهيمنا ﴾ المهيمن: الرقيب على الشيء الحافظ له، من هيمن عليه أي راقبه ويأتي بمعنى العالي والمرتفع على الشيء ﴿ شرعة ﴾ الشرعة: السنة والطريقة يقال: شرع لهم أي سن لهم ﴿ منهاجا ﴾ المنهاج: الطريق الواضح

سبب النزول: عن البراء بن عازب قال:

" مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم "

فأنزل الله ﴿ يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ إلى قوله ﴿ إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ يقولون: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

التفسير: ﴿ يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية أي لا تتأثر يا محمد ولا تحزن لصنيع الذين يتسابقون نحو الكفر ويقعون فيه بسرعة ﴿ من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴾ أي من المنافقين الذين لم يجاوز الإيمان أفواههم يقولون بألسنتهم آمنا وقلوبهم كافرة ﴿ ومن الذين هادوا ﴾ أي ومن اليهود ﴿ سماعون للكذب ﴾ أي هم مبالغون في سماع الأكاذيب والأباطيل وفي قبول ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي مبالغون في قبول كلام قوم آخرين لم يحضروا مجلسك تكبرا وإفراطا في العداوة والبغضاء وهم يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة ﴿ يحرفون الكلم من بعد مواضعه ﴾ أي يزيلونه ويميلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها والمراد تحريف أحكام الله وتغييرها بأحكام أخرى قال ابن عباس: هي حدود الله في التوراة غيروا الرجم بالجلد والتحميم - يعني تسويد الوجه - ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾ أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا قال تعالى ردا عليهم ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾ أي ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من رجس الكفر وخبث الضلالة لقبح صنيعهم وسوء اختيارهم ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ أي ذل وفضيحة ﴿ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ هو الخلود في نار جهنم قال أبو حيان: والآية جاءت تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر وقطعا لرجائه من فلاحهم ﴿ سماعون للكذب ﴾ أي الباطل كرره تأكيدا وتفخيما ﴿ أكالون للسحت ﴾ أي الحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك ﴿ فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ أي إن تحاكموا إليك يا محمد فيما شجر بينهم من الخصومات فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وبين أن تعرض عنهم قال ابن كثير: أي إن جاءوك يتحاكمون إليك فلا عليك ألا تحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ﴾ أي لأن الله عاصمك وحافظك من الناس ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ﴾ أي فاحكم بينهم بالعدل والحق وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل لأن الله يحب العادلين، ثم قال تعالى منكرا عليهم مخالفتهم لأحكام التوراة ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ﴾ أي كيف يحكمك يا محمد هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به؟ قال الرازي: هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة فظهر بذلك جهلهم وعنادهم ﴿ ثم يتولون من بعد ذلك ﴾ أي يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد أن وضح لهم الحق وبان ﴿ ومآ أولئك بالمؤمنين ﴾ أي ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يؤمنون بكتابهم " التوراة " لإعراضهم عنه وعن حكمك الموافق لما فيه قال في التسهيل: وهذا إلزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدله فدعواه الإيمان باطلة، ثم مدح تعالى التوراة بأنها نور وضياء فقال ﴿ إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ أي أنزلنا التوراة على موسى فيها بيان واضح ونور ساطع يكشف ما اشتبه من الأحكام ﴿ يحكم بها النبيون الذين أسلموا ﴾ أي يحكم بالتوراة أنبياء بني إسرائيل الذين انقادوا لحكم الله ﴿ للذين هادوا ﴾ أي يحكمون بالتوراة لليهود لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ أي العلماء منهم والفقهاء ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ أي بسبب أمر الله إياهم بحفظ كتابه من التحريف والتضييع ﴿ وكانوا عليه شهدآء ﴾ أي رقباء لئلا يبدل ويغير ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ أي لا تخافوا يا علماء اليهود الناس في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم بل خافوا مني في كتمان ذلك ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ﴾ أي ولا تستبدلوا بآياتي حطام الدنيا الفاني من الرشوة والجاه والعرض الخسيس ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ أي من لم يحكم بشرع الله كائنا من كان فقد كفر وقال الزمخشري: ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون وصف لهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهزاء والاستهانة وتمردوا بأن حكموا بغيرها قال أبو حيان: والآية وإن كان الظاهر من سياقها أن الخطاب فيها لليهود إلا أنها عامة في اليهود وغيرهم.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٩٠