5.11-26
المناسبة: لما ذكر تعالى ما شرعه لعباده المؤمنين في هذه السورة الكريمة من الأحكام، ومن أعظمها بيان الحلال والحرام، ذكر هنا نعمته عليهم بالهداية إلى الإسلام ودفع الشرور عنهم والآثام، ثم أعقبه ببيان نعمته تعالى على أهل الكتاب " اليهود والنصارى " وأخذه العهد والميثاق عليهم ولكنهم نقضوا العهد فألزمهم الله العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ثم دعا الفريقين إلى الاهتداء بنور القرآن، والتمسك بشريعة خاتم المرسلين، وترك ما هم عليه من ضلالات وأوهام.
اللغة: ﴿ نقيبا ﴾ النقيب: كبير القوم الذي يبحث عن أحوالهم ومصالحهم فهو كالكفيل عن الجماعة ﴿ وعزرتموهم ﴾ التعزير: التعظيم والتوقير ﴿ سوآء السبيل ﴾ قصد الطريق ووسطه ﴿ قاسية ﴾ صلبة لا تعي خيرا والقاسية والعاتية بمعنى واحد ﴿ خآئنة ﴾ خيانة ويجوز أن يكون صفة للخائن كما يقال: رجل طاغية وراوية للحديث ﴿ فأغرينا ﴾ هيجنا وألزمنا مأخوذ من الغراء، وغري بالشيء إذا لصق به ﴿ فترة ﴾ انقطاع ﴿ يتيهون ﴾ التيه: الحيرة والضياع.
سبب النزول: أراد بنو النضير أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى وأن يغدروا به وبأصحابه فأنزل الله ﴿ يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم.. ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم ﴾ أي اذكروا فضل الله عليكم بحفظه إياكم من أعدائكم ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ أي يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك ﴿ فكف أيديهم عنكم ﴾ أي عصمكم من شرهم ورد أذاهم عنكم ﴿ واتقوا الله ﴾ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي فليثق المؤمنون بالله فإنه كافيهم وناصرهم، ثم ذكر تعالى أحوال اليهود وما تنطوي عليه نفوسهم من الخيانة ونقض الميثاق فقال ﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل ﴾ أي عهدهم المؤكد باليمين ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ﴾ أي وأمرنا موسى بأن يأخذ اثني عشر نقيبا - والنقيب كبير القوم القائم بأمورهم - من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم قال الزمخشري: لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالسير إلى " أريحاء " بأرض الشام كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا وقرارا فجاهدوا من فيها فإني ناصركم، وأمر موسى بأن يأخذ من كل سبط نقيبا فاختار النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعثهم يتجسسون الأخبار فرأوا قوما أجسامهم عظيمة ولهم قوة وشوكة فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم وكان موسى قد نهاهم أن يتحدثوا بما يرون فنكثوا الميثاق وتحدثوا إلا إثنين منهم ﴿ وقال الله إني معكم ﴾ أي ناصركم ومعينكم ﴿ لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ﴾ اللام للقسم أي وأقسم لكم يا بني إسرائيل لئن أديتم ما فرضت عليكم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿ وآمنتم برسلي وعزرتموهم ﴾ أي وصدقتم برسلي ونصرتموهم ومنعتموهم من الأعداء ﴿ وأقرضتم الله قرضا حسنا ﴾ أي بالإنفاق في سبيل الخير ابتغاء مرضاة الله ﴿ لأكفرن عنكم سيئاتكم ﴾ أي لأمحون عنكم ذنوبكم، وهذا جواب القسم قال البيضاوي: وقد سد مسد جواب الشرط ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي تجري من تحت غرفها وأشجارها أنهار الماء واللبن والخمر والعسل ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل ﴾ أي من كفر بعد ذلك الميثاق، فقد أخطأ الطريق السوي وضل ضلالا لا شبهة فيه ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾ أي بسبب نقضهم الميثاق طردناهم من رحمتنا ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ أي جافة جافية لا تلين لقبول الإيمان ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ قال ابن كثير: تأولوا كتابه - التوراة - على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا على الله ما لم يقل، ولا جرم أعظم من الاجتراء على تغيير كلام الله عز وجل ﴿ ونسوا حظا مما ذكروا به ﴾ أي تركوا نصيبا وافيا مما أمروا به في التوراة ﴿ ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا منهم ﴾ أي لا تزال يا محمد تظهر على خيانة منهم بنقض العهود وتدبير المكايد، فالغدر والخيانة عادتهم وعادة أسلافهم إلا قليلا منهم ممن أسلم ﴿ فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ﴾ أي لا تعاقبهم واصفح عمن أساء منهم، وهذا منسوخ بآية السيف والجزية كما قال الجمهور ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ﴾ أي ومن الذين ادعوا أنهم أنصار الله وسموا أنفسهم بذلك أخذنا منهم أيضا الميثاق على توحيد الله والإيمان بمحمد رسول الله ﴿ فنسوا حظا مما ذكروا به ﴾ أي فتركوا ما أمروا به في الإنجيل من الإيمان بالأنبياء ونقضوا الميثاق ﴿ فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة ﴾ أي ألزمنا وألصقنا بين فرق النصارى العداوة والبغضاء إلى قيام الساعة قال ابن كثير: ولا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وكل فرقة تمنع الأخرى دخول معبدها.