~~وتحولك إلى رزق غيرك انتقصتيه ودخلت عليه علمت أن الشجر قد أثمر كما كان
~~يثمر وإنما أتى النقصان لذلك من قبلك فويل للشجر وللثمار وويل لمن كان عيشه
~~منها ما أسرع هلاكهم لما جعل عليهم في أرزاقهم وغلبهم عليه من ليس له حق
~~ولا نصيب.
فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشعهر تركت أكل الثمار.
[16.8]
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما كان مصروفا عن ضر الناس
~~لضر يصيبه كاللبؤة التي انصرفت لما لقيت في شبليها حتى تركت أكل اللحوم
~~وتركت أكل الثمار لقول الشعهر وأقبلت على العبادة والتنسك فالناس أحق
~~بالنظر في ذلك من غيرهم فإنه قد قيل ما لا ترضاه لنفسك فلا ترضه لغيرك ولا
~~تدله إليه فإذا هو العدل والعدل رضا الله سبحانه وتعالى ورضى للناس.
PARATEXT|
انتهى باب اللبؤة والشعهر.
17 باب الناسك وضيفه
17.1
[17.1]
قال دبشلم الملك لبيدبا الفيلسوف قد سمعت مقالتك فإذا رأيت أن تحدثني عمن يدع عمله الذي يشاكله ويليق به فيتعدى ذلك إلى غيره من الأعمال فلا يدركه وينسى عمله الذي كان يحسنه فيصير حيران.
[17.2]
قال بيدبا زعموا أنه كان في أرض الكرخ ناسك فأضافه ضيف يوما من الأيام فدعا الناسك لضيفه بتمر لطرفته عندهم فأكلا منه جميعا فقال الضيف للناسك ما أحلى هذا التمر وأطيبه وليست أرضنا التي نسكنها بأرض نخل مع أنه إذ لم يكن عندنا قد اكتفينا بغيره من الثمار فإنه من يقدر على التين وغيره من الثمار فما حاجته إلى التمر مع وخامته وقلة موافقته للجسد.
[17.3]
فقال له الناسك إنه لا يعد سعيدا من احتاج إلى ما لا يجد ولا يقدر على الصبر عنه فيرجع عليه من ثقل ذلك وغمه ما يضر به. وأنت سعيد الجد إذ قنعت بما تجد وزهدت فيما لا تجد وصبرت نفسك عنه ورضيت بما تجد.
[17.4]
وكان الناسك يتكلم بلسان العبرانية فاستحسن الضيف كلامه وأعجبه فتكلف أن يتعلمه وعالج نفسه على ذلك أياما فلم يحسنه.
فقال الناسك لضيفه ما أخلقك أن تقع فيما تركت من كلامك وتتكلف من تعلم كلام العبرانية ما وقع فيه الغراب مرة.
قال الضيف وكيف كان ذلك.
[17.5]
فقال الناسك زعموا أن غرابا رأى مرة حجلة وهي تدرج فأعجبته مشيتها وطمع في تعلمها وراض نفسه عليها ولم يقدر على إحكامها فانصرف إلى مشيته التي كان عليها فإذا هو لا يحفظها فصار حيران مترددا لم يدرك ما طلب ولم يحسن لما كان في يديه حفظا.
[17.6]
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك خليق إن تركت لسانك وتكلفت علم ما لا يشاكلك من كلام العبرانية ألا تدركه وأن تنسى الذي كان في يدك من غيره فإنه قد قيل يعد جاهلا من طلب من الأمر ما لا يشبهه وليس من أهله ولم يدركه آباؤه ولا أحد من قبله ولا يعرفون بمثله.
[17.7]
ثم قال الفيلسوف للملك فالولاة في قلة تعاهدهم الرعية في هذا وأشباهه ألوم وأسوأ تدبيرا لأن تنقل الناس من بعض المنازل إلى بعض وتركهم منها ما قد لزموه وجرت المعايش فيه مضر بالملوك وفي التماس من أهل الطبقة السفلى مراتب أهل الطبقة العليا تضييع للحزم وانتشار من الأمر وفساد من الأدب ومنازعة من اللئيم للكريم ثم الأشياء في ذلك تجري على مثال حتى تنتهي إلى الخطر الجسيم من مضرة الملك.