PARATEXT|
تمت بعثة أنوشروان برزويه إلى أرض الهند وما كان من أمره.
2 كتاب كليلة ودمنة
[2.1]
وهو مما وضعت أهل الهند من الأمثال والأحاديث التي التمسوا أن يدخلوا
~~فيها أبلغ ما وجدوا من الكلام في النحو الذي أرادوا ولم تزل العلماء من كل
~~أمة وأهل كل لسان يلتمسون أن يعقل عنهم ويحتالون لذلك بصنوف الحيل ويبتغون
~~في إخراج ما عندهم من العلل حتى كان من تلك العلل وضع بليغ الكلام ومنمقه
~~على أفواه البهائم والطير فاجتمع لهم بذلك خلال أما هم فوجدوا منصرفا في
~~القول وشعابا يأخذون فيها ولهوا وحكمة فاحتمله الحكماء لحكمته والسخفاء
~~للهوه والمتعلمون من الأحداث وغيرهم فنشطوا لعلمه وخف عليهم حفظه فإذا
~~احتنك الحدث واجتمع له العلم وتدبر ما كان حفظ مما صار مقيدا مزبورا في
~~صدره وهو لا يدري ما هو عرف أنه قد ظفر من ذلك بكنوز عظام فكان كالرجل الذي
~~يدرك حين يدرك فيجد آباءه قد حفروا كنوزا من الذهب والفضة واعتقدوا له عقدا
~~استغنى بها عن استعمال السعي والطلب. ولم يكن لما أن كثرت فروع كل صنف منها
~~حتى لا يستكمل منها شيء بد من أن تكثر العلل التي تجري عليها أقاويل
~~العلماء فمن قرأ هذا الكتاب فليعرف الوجه الذي وضع عليه فإنه إن لم يعرف
~~ذلك لم يدر إلى أي غاية يجري فيه وأي شيء جنى منه.
[2.2]
فأول ما ينبغي لمن طلب هذا الكتاب أن يبتدئ بجودة قراءته والتثبت وأن لا
~~تكون غايته منه بلوغ آخره ولكن الوقوع على معانيه ومعرفته بما يقرأ منه
~~والتفكر فيه فإنه من كان همه منه بلوغ آخره لا الإحكام لما يقرأ فليس ينتفع
~~بقراءته ولا يستفيد منه شيئا فإنه من أصاب شيئا فطمحت عيناه إلى جمعه ولم
~~يأخذ منه ما صفا الأول فالأول فهو خليق ألا يصيب منه إلا كما أصاب الرجل
~~الذي أصاب الكنز ولم يحفظه. حديث الرجل الذي أصاب الكنز بلغني أنه وجد في
~~بعض الصحارى كنزا فلما فتحه ونظر إليه رأى شيئا عظيما لا عهد له بمثله فقال
~~في نفسه إن أخذت في نقل ما هاهنا قليلا قليلا جعلت لنفسي شغلا طويلا ولم
~~أحرز منه في الأيام إلا يسيرا ولكني أستأجر رجالا ينقلونه إلى منزلي. ففعل
~~ذلك وجاب الرجال فجعل يحمل كل رجل منهم ما أطاق لينطلقوا به زعم إلى منزله
~~فلم يزل دائبا في ذلك حتى فرغ منه واستنفده ثم انطلق إلى منزله بعد الفراغ
~~فلم يجد منه في منزله شيئا ووجد كل رجل منهم قد حاز ما حمل لنفسه فلم يكن
~~له منه إلا العناء في استخراجه.
[2.3]
فكذلك الرجل ليس ينبغي له أن يجاوز شيئا إلى غيره حتى يحكمه ويتثبت فيه
~~ولا يطلب الآخر حتى يحكم الأول فإذا تثبت في قراءته وأحكمه فعليه بالفهم
~~لما يقرأ والمعرفة له حتى يضع كل شيء موضعه وينسبه إلى معناه ولا يعرض في
~~نفسه إن قد أحكم القراءة وعرف ظاهر القول فقد فرغ مما ينبغي أن يعرف منه
~~ولكن يعرف أن له باطنا لم يعرفه فإذا لم يعرف ذلك لم ينتفع بما ظهر له منه
~~كما لو أن رجلا أتى بجوز صحاح في قشره لم ينتفع به حتى يكسره ويستخرج ما فيه.
[2.4]
وعليه أن يعلم أن له خبيئا وأن يلتمس علم ذلك ولا يكون مثل الرجل صاحب
~~الصحيفة الصفراء بلغني أنه طلب شيئا من علم الفصاحة فأتى صديقا له ومعه
~~صحيفة صفراء فسأله أن يكتب له أصل العربية في تلك الصحيفة فكتب له شيئا من
~~ذلك فأخذ الرجل الصحيفة فانطلق بها إلى منزله وجعل يقرأها وهو لا يدري ما
~~معنى الذي يقرأه إلا أنه يقرأ الذي يرى في الصحيفة وجعل يقعد مع القوم وهو
~~يظن أنه قد أحكم ما في الصحيفة فتكلم بكلمة أخطأ فيها فقال له بعض من عنده
~~من القوم لحنت أيها الرجل. فقال ألحن والصحيفة الصفراء في منزلي.
[2.5]
فالمرء حقيق أن يطلب العلم فإذا وجد حاجته وفهم وعرف وبلغ غايته انتفع
~~بما عرف وتأدب بما رأى فيه من الأدب فإنه يقال في أمرين لا ينبغي لأحد أن