ثم قال الفيلسوف للملك ليعرف أهل النظر في الأمر والعلم أن الأشياء كلها
~~بقضاء وقدر لا يجلب أحد إلى نفسه نجاحا ولا يدفع عنها مكروها إلا بقضاء
~~وقدر فإن ذلك كله من الله تعالى وإن الله يفعل ما أراد ويمضي ما أحب فلتسكن
~~إلى ذلك الأنفس ولتطمئن إليه القلوب فإن ذلك لمن ألهمه الله ووفق له سعة وراحة.
PARATEXT|
انقضى باب ابن الملك وأصحابه.
16 باب الإسوار واللبؤة والشعهر
وهو باب نت يترك ضر غيره لضر أصابة فينصرف لما يتعظ من ضره عن ضر الناس
[16.1]
قال الملك قد سمعت هذا المثل فاضرب لي إن رأيت مثل من يدع ضر غيره لضره.
[16.2]
قال بيدبا الفيلسوف إنه لا يقدم على مساورة الناس والاقتحام عليهم في
~~شرهم إلا أهل الجهالة بسوء نظرهم في عواقب الدنيا والآخرة وقلة علمهم بما
~~يرجع عليهم منه ويلزمهم من تبعة ما اكتسبوا ما لا يحيط به القول. فإن رزقوا
~~جزاء ذلك في أول أفعالهم لم يصرف سوء الجزاء عنهم عواقب أمورهم بما يقصر به
~~الكلام عنهم والوصف فيهم وكل ما هو آت قريب. وربما اتعظ الجاهل من ضر يصيبه
~~فيعرف في مبلغ ذلك الضر منه أن قد بلغ إلى غيره كما قد بلغ إليه فيردعه
~~وينزع عنه وينصرف عن ظلم الناس وضرهم فيدرك بذلك نفع ذلك في العاقبة. نظير
~~ما سألتني عنه أيها الملك من الحديث مثل اللبؤة والشعهر.
قال دبشلم وكيف كان ذلك.
[16.3]
قال بيدبا الفيلسوف زعموا أن لبؤة كانت في غيضة ومعها شبلان لها فخرجت
~~ذات يوم من الغيضة تطلب صيدا وخلفت شبليها في الغيضة فمر بهما إسوار
~~فقتلهما وسلخ جلديهما واحتملهما وانصرف بهما إلى منزله.
فلما رجعت اللبؤة ورأت شبليها قد كشط عنهما جلداهما ونبذا بالعراء داخلها
~~في ذلك أمر عظيم فظيع ورأت سخنة عين وغيظا شديدا وداخلها هم شديد طويل
~~واضطربت وصاحت وجزعت وكان إلى جانبها شعهر مجاورها فلما سمع صوتها خرج
~~إليها وقال ما بالك وما يبكيك وما هذا الجزع وما الذي نزل بك.
قالت شبلاي مر عليهما إسوار فقتلهما وسلخ جلديهما.
[16.4]
قال الشعهر لا تحزني ولا تجزعي كل هذا الجزع وأنصفي من نفسك فإنما بلغ
~~منك هذا الإسوار في شبليك من العبط ما قد بلغت منه إلى غير واحد ممن كان
~~يجد بحبيبه ويعز عليه كوجدك بشبليك وحزنك عليهما فاصبري من غيرك كما صبر
~~غيرك عليك فإنه قد قيل كما تدين تدان وقد دنت فدين منك ولكل عمل ثمرة وثمرة
~~العمل الثواب والعقاب على قدر العمل في القلة والكثرة كالبذر إذا زرعه
~~زارعه دفع إليه حصاده على قدر بذره.
[16.5]
قالت اللبؤة قص لي ذلك من قولك وأوضحه.
قال الشعهر عرفيني كم أتى عليك من العمر.
قالت اللبؤة مائة سنة.
قال الشعهر فما كان الذي يقوتك وتستعينين به على معيشتك.
قالت اللبؤة كنت آكل لحوم الوحوش وأعيش بها.
قال الشعهر فمن كان يطعمك ذلك اللحم.
قالت اللبؤة نفسي كنت أصيد الوحوش فأقتلها ثم آكلها.
قال الشعهر أرأيت الوحوش التي كنت تأكلين هل كان لها آباء وأمهات.
قالت اللبؤة بلى قد كان لها آباء وأمهات.
فقال الشعهر فما بال تلك الآباء والأمهات ليس لها من الضجر والخوف والحزن
~~والجزع والصراخ كما نسمع لك. أما إنه ما نزل بك ما نزل إلا من سوء نظرك في
~~العواقب وقلة تفكرك فيها وجهالتك بما يرجع إليك من ضرها.
[16.6]
فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشعهر عرفت أن ذلك بما اكتسبت على نفسها
~~من الجور والظلم واستيقنت أن من عمل بغير حق وعدل أديل منه فتركت صيد
~~الوحوش وانصرفت عن أكل اللحم إلى أكل الثمار والتنسك والعبادة.
[16.7]
فرأى الشعهر ذلك وكان عيشه الثمار فلما رأى اللبؤة تأكل الثمار قال قد
~~كنت أظن بقلة الثمار عامنا وما افتقدت منها أن الشجر لا يحمل العام فلما
~~أبصرتك تأكلينها وأنت آكلة لحم وتركت رزقك وطعامك وما قسم الله تعالى لك