تخطَّ إلى المحتوى

1 بعثة أنوشروان برزويه إلى بلاد الهند لانتساخ كليلة ودمنة

[1.1]

أما بعد فإن الله تبارك وتعالى خلق خلقه برحمته وقواهم على عبادته بفضله

~~ورزقهم ما يقدرون به على صلاح معايشهم في الدنيا وما يدركون به استنقاذهم

~~من العذاب في الآخرة. وأفضل ما رزقهم ومن عليهم به العقل الذي هو القوة

~~لجميع الأشياء ولا يقدر أحد من أهل الدنيا وطالب الآخرة المجتهد في الدنيا

~~الذي ينجي روحه من الأهوال على صلاح معيشته ولا ازدياد فضل ولا عمل إلا به

~~في الدنيا والآخرة فإن المجتهد في العمل لا يأمن من هولها ولا يقدر على

~~إنفاذ العمل إلا بالعقل لأن العقل سبب كل خير ومفتاح كل رغبة وليس لأحد غنى

~~عن العقل.

[1.2]

والعقل مكتسب بالتجارب وهو غريزته مكنونة في الإنسان ككمون النار في

~~العود فإن النار طبعها في العود لكنها لا تخرج إلا بالهز ولا ترى حتى

~~يقدحها قادح فتلظى وتحرق. وطبيعة العقل كمين في الإنسان يظهره الأدب وتقويه

~~التجارب فإذا استحكم كان أولى بالتجارب والمقوي لكل أدب الجالب لكل المنافع

~~والدافع لكل المضار فلا شيء أفضل ولا أحسن للإنسان من العقل إذا أعين

~~بالأدب وقوته التجربة فمن من عليه خالقه بالعقل وأعان هو على نفسه

~~بالمثابرة على الأدب والحرص عليه سعد جده وأدرك في الدنيا أمله وفي الآخرة

~~أفضل النصيب وأجزل الأجر وأعلى المنازل. والعقل هو المقوي للدولة والمثبت

~~للمملكة والمشرف للملك فالملوك والسوقة لا تصلح إلا عليه وعلى تدبيره.

[1.3]

وقد رزق الله ملكنا أنورشروان سعيد الجد من العقل أفضل الرزق ومن الأنصباء

~~أجزلها وأعانه على ما رزق من ذلك بحسن الأدب والبحث عن العلم والتفتيش

~~بجميع الفلسفة والاستقصاء عما غاب والتحري للصواب مما ظهر فبلغ في ذلك ما

~~لم يبلغه ملك قط مما مضى من الملوك قبله. وكان مما تيقن عن العلم ويبحث عنه

~~أنه بلغه عن كتاب من كتب فلاسفة الهند عند ملوكهم وعلمائهم نفيس مخزون

~~عندهم وهو أصل كل أدب ورأس كل علم والدليل على كل منفعة ومفتاح لطلب الآخرة

~~والعمل للنجاة والمقوي والمعين لما يحتاج إليه الملوك لتدبير ملكهم وأدب

~~للسوقة لما يرضون به ملكهم ويصلحون به معايشهم وهو كتاب كليلة ودمنة.

[1.4]

فلما تيقن ما بلغه عن ذلك الكتاب وعما فيه من المنافع من تقوية العقل

~~والأدب لم يطمئن ولم يسكن دون استفادته والنظر فيه وكان رجلا عاقلا أديبا

~~فسأل أهل مملكته أن يطلبوا في جميع مملكته رجلا عاقلا أديبا عارفا عالما

~~بلسان الفارسية والهندية كاتبا بهما جميعا حريصا على العلم مجتهدا في

~~استكمال الأدب مثابرا على النظر والتفتيش لكتب الفلسفة فيؤتى به فطلبوا

~~الرجل حتى أصابوه ثم أتوا به وكان رجلا شابا جميلا ذا حسب كامل العقل

~~والأدب صناعته التي يعرف بها الطب وكان ماهرا بالفارسية والهندية اسمه

~~برزويه بن أزدهر.

[1.5]

فلما دخل على الملك سجد ثم قام مكفرا فقال له الملك يا برزويه قد تخيرتك

~~لما بلغني عنك من فضل علمك وعقلك وحسن أدبك وحرصك على طلب العلم حيث كان

~~وأنه قد بلغني عن كتاب بالهند.

وقص عليه قصته وأخبره بما بلغه عن ذلك الكتاب وحبه لاستفادته ورغبته فيه

~~وقال له تجهز فإني مسرحك إلى أرض الهند فالطف بعقلك وحسن أدبك لاستخراج ذلك

~~الكتاب من خزائنهم ومن قبل كل علمائهم وفقهائهم وحكمائهم تاما مكتوبا

~~بالفارسية فتستفيده أنت وتفيدنا إياه من الكتب التي عندهم التي ليست في

~~خزائننا ولا في مملكتنا واحمل معك من المال ما أحببت وإن أنت أنفدت ما معك

~~من المال فاكتب إلي حتى أمدك من المال وعجل ذلك ولا تقصرن في طلب علم وإن

~~أكثرت فيه النفقة فإن جميع ما في خزائننا مبذول لك فيما أنفقته في طلب العلم.

وأمر الملك المنجمين فوضعوا له زايرجة وتخيروا له يوما يسير فيه وساعة

كليلة ودمنة · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.