~~منه ولا يقدم عليه قبل أن يستيقن بالصواب منه فيكون كالرجل الذي يجور عن
~~الطريق فيسير كما هو بالجور وعلى الاعوجاج ولا يزداد في المسير بعدا إلا
~~ازداد في الطريق بعدا أو كان كالرجل يدخل في عينه القذى فلا يزال يدلكها
~~ويحكها حتى يعلوها البياض فتذهب وعلى العاقل أن يأخذ بالحزم ويعلم أن
~~الجزاء كائن ومن أتى إلى صاحبه مثل ما لو أتي عليه فشق عليه فقد ظلم.
[2.17]
فمن قرأ هذا الكتاب فليقتد بما فيه من هذا الباب وليبدأ به فإني أرجو أن
~~يزيده بصرا بما قرأ ومعرفة وإن عرفه اكتفى واستغنى عن غيره وإن لم يعرفه لم
~~ينتفع به.
[2.18]
ولما رأينا أهل فارس قد نشروه وأخرجوه من الهندية إلى الفارسية ألحقوا
~~فيه باب برزويه الفارسي المتطبب فلم يذكروا فيه ما ذكرنا من هذا فرأينا إذا
~~فسرناه وأخرجناه من الفارسية إلى العربية أن نلحق فيه بابا من العربية يكون
~~له أساس فيه أمر هذا الكتاب لمن أراد قراءته واقتباس العلم منه.
3 باب برزويه المتطبب
[3.1]
قال برزويه رئيس أطباء فارس وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب وترجمته من
~~بلاد الهند إن أبي كان من المقاتلة وكانت أمي من بنات الزمازمة وكان من عظم
~~كرامتي على ربي أني كنت أكرم ولد أبوي عليهما فأسلماني الى تعلم الطب حين
~~بلغت سبع سنين فلما بلغت إلى عشر سنين وعرفت الطب وفضله شكرت لأبوي رأيهما
~~كان في ذلك ورغبت في تعلمه وحرصت عليه حتى إذا شددت ما وثقت به واتمنت نفسي
~~على مداومة المرضى وهممت بذلك آمرت نفسي وخيرتها بين الأمور الأربعة التي
~~إياها يطلب الناس وإليها يجرون فقلت أي هذه الخلال ينبغي لمثلي في مثل عملي
~~أن يطلب وأيها أحرى إن هو ابتغاه أن يدرك حاجته منها المال أم اللذات أم
~~الذكر أم أجر الآخرة فوجدت الطب محمودا عند العقلاء كلهم ولم أجده مذموما
~~عند أحد من أهل الملل والأديان وأصبت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب
~~على طبه لا يبتغي بذلك إلا أجر الآخرة وثواب العاقبة فرأيت أن أواظب على
~~الطب ابتغاء أجر الآخرة ولا أبتغي بذلك ثمنا فأكون كالتاجر الخاسر الذي باع
~~ياقوتة كان مصيبا في ثمنها غنى الدهر بخرزة لا تساوي شيئا مع أني وجدت في
~~كتب الطب أن الطبيب المبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقص ذلك من حظه في الدنيا
~~شيئا وأن مثله مثل الحراث الذي إنما يثير الأرض ويعمرها ابتغاء الزرع لا
~~ابتغاء العشب ثم هي لا محالة نابت فيها من ألوان العشب.
[3.2]
فحينئذ أقبلت على مداواة المرضى رجاء أجر الآخرة فلم أدع مريضا أرجو له
~~البرء ولا آخر لا أرجو له البرء إلا أني أطمع له في خفة وجعه وما به من
~~الأذى إلا بلغت في مداواته فمن قدرت على القيام عليه قمت عليه ومن لم أقدر
~~على القيام عليه وصفت له وأمرته ونهيته وأعطيته ما يحتاج إليه من الدواء
~~ولم أرد من أحد فعلت به أجرا ولا مكافأة رجاء أجر الآخرة ولم أغبط من
~~نظرائي من هو مثلي في العلم وفوقي من المال والجاه إلا بصلاح نية وحسن
~~سريرة في الناس قولا وعملا وكنت أورع نفسي إن هي نازعتني أن تغبط أولئك
~~وتتمنى مثل منازلهم وآبى لها إلا الخصومة وأقول لها يا نفس ألا تعرفين نفعك
~~من ضرك ألا تنتهين عن تمني ما لم ينله أحد إلا قل متاعه وكثر عناؤه فيه
~~وخباله عليه واشتدت خسرته عند فراقه وعظمت التبعة منه عليه بعده.
[3.3]
يا نفس أما تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ما تشرهين إليه من هذه الدار
~~ألا ترغبين عن مشاركة الفجرة الجهال في حب هذه الصاحبة الفانية البائدة
~~التي من كان في يده شيء منها فليس له وليس يبقى عليه والتي لا يألفها إلا
~~المغترون الغافلون. انصرفي عن هذا السفه والمزحة وأقبلي بقوتك وقدرتك وما
~~تملكين على تقديم الخير والأجر ما استطعت وإياك والتسويف والتواني وتعلمي