~~بقرضهما الغصنين دائبين دور الليل والنهار في فناء الأيام والآجال وشبهت
~~بالتنين المصير الذي لا بد منه وشبهت العسل بهذه الحلاوة القليلة التي يصيب
~~الإنسان فتشغله عن نفسه وتنسيه أمره وتلهيه عن شأنه وتصده عن سبيل نجاته.
[3.28]
فصار أمري إلى الرضى بحالي وإصلاح ما استطعت أن أصلح من عملي لعلي أصادف
~~فيما أمامي زمانا أصيب فيه دليلا على هداي وسلطانا على نفسي وأعوانا على
~~أمري فأقمت على هذه الحالة وانصرفت من الهند إلى بلادي وانتسخت من كتبها
~~كتبا منها هذا الكتاب.
4 باب الأسد والثور
وهو مثل الرجلين التحاببين يعطع بينهما الغدار الكذوب بنميمته
[4.1]
قال دبشلم ملك الهند لبيدبا الفيلسوف رأس فلاسفته اضرب لي مثل الرجلين
~~المتحاببين يقطع بينهما الكذوب الخائن ويحملهما على العداوة والشنآن.
قال بيدبا الفيلسوف إذا ابتلي الرجلان بدخول الكذوب الخؤون بينهما تقاطعا
~~وتدابرا وتفاسد ما بينهما.
[4.2]
ومن أمثال ذلك أنه كان بأرض دستنابد تاجر مكثر وله بنون فلما أدركوا
~~شرعوا في مال أبيهم ولم يحترفوا حرفة يكتسبون بها مالا فلامهم أبوهم ووعظهم
~~وكان مما قال لهم يا بني إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن تدرك إلا
~~بأربعة أشياء. أما الثلاثة التي يطلب فالسعة في المعيشة والمنزلة في الناس
~~والزاد إلى الآخرة. وأما الأربعة التي يحتاج إليها في إدراك هذه الثلاثة
~~فاكتساب المال من أحسن وجوهه ثم حسن القيام على ما اكتسب والتثمير له ثم
~~إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي به الله تعالى والأهل والإخوان ويعود في
~~الآخرة نفعه عليه فمن أضاع شيئا من هذه الخلال الأربع لم يدرك ما أراد فإنه
~~إن لم يكتسب لم يكن له مال يعيش به وإن كان هو ذا مال وذا اكتساب ولم يحسن
~~القيام عليه أوشك أن يفنى ويبقى بغير مال. وإن هو أنفقه ولم يثمره لم تمنعه
~~قلة الإنفاق من سرعة النفاد كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلا مثل الغبار ثم هو
~~مع ذلك سريع فناؤه. وإن كانت نفقته في غير مواضع الحقوق كان بمنزلة الفقير
~~الذي لا مال له ثم لم ينفعه ذلك من تلاف المال للمقادير والعلل كالمكان
~~الذي لا تزال تنصب فيه المياه فإنه إن لم يكن له مخرج ومغيض يخرج منه الماء
~~بقدر الذي يدخل انبجس وسال من نواحي كثيرة وربما انبثق البثق العظيم فذهب
~~الماء ضياعا.
[4.3]
ثم إن بني التاجر اتعظوا وأخذوا بأمر أبيهم فانطلق أحدهم متوجها نحو أرض
~~يقال لها سورقان فمر في طريقه على مكان فيه وحل شديد ومعه عجلة يجرها ثوران
~~أحدهما يسمى شنزبة والآخر نندبة فوحل شنزبة في ذلك المكان فعالجه الرجل
~~وأعوانه حتى استخرجه بعد ما بلغه الجهد وخلف التاجر عنده رجلا وأمره أن
~~يقوم عليه أياما فإذا رآه قد صلح أتبعه فلما كان من الغد برم الرجل بمكانه
~~فترك الثور ولحق بالرجل فأخبره أن ثوره قد مات. ثم إن الثور انبعث من مكانه
~~فلم يزل يدب حتى انتهى إلى مرج مخصب كثير العشب فدخل في موضع خوف أن يصيبه
~~في ذلك المكان من العراض الذي لم يكن ليخطئه مثل ذلك فإنهم زعموا أن رجلا
~~كان يجز حشيشا فاغتاله ذئب ليأكله فلم يفطن له حتى دنا منه فلما رآه اشتد
~~وجله منه وخرج هاربا نحو قرية على شاطئ نهر فلما انتهى إلى النهر وجد عليه
~~قنطرة منكسرة ورهقه الذئب فقال في نفسه كيف أصنع وهذا الذئب يتلوني والنهر
~~عميق والقنطرة منكسرة وأنا لا أحسن السباحة غير أن أحرز الأشياء أن ألجئ
~~نفسي إلى الماء. فوقع فيه فرآه أهل القرية فأرسلوا إليه من استخرجه بعد أن
~~أشرف على العطب فأتاهم فاستند إلى حائط وجعل يحدثهم إذ انهدم عليه الحائط فقتله.
[4.4]
ثم إن شنزبة لم يلبث أن عبل وسمن وبطن فرفع صوته بالخوار وقربه أسد هو
~~ملك تلك الناحية ومعه سباع كثيرة من الذئاب والدببة وبنات آوى والثعالب