11 باب الملك والطائر فنزة
وهو مثل أهل الترات والذحول والذي ينبغي لبعضهم من الاحتراس من بعض
[11.1]
قال الملك للعالم قد سمعت مثل الرجل الذي اكتنفته أعداؤه فاستظهر ببعضهم
~~وصالحه حتى تخلص مما خاف ووفى وسلم فاضرب لي مثل أهل الترات والذحول وما
~~ينبغي لبعضهم من اتقاء بعض.
[11.2]
قال العالم زعموا أن ملكا من الملوك كان له طائر يسمى فنزة وكان كيسا
~~ناطقا وكان معه فرخ له فأمر الملك بفنزة وفرخه فجعلا عند امرأة له كانت
~~سيدة نسائه وأمرها بالاستيصاء به وبفرخه وأن امرأته تلك ولدت غلاما فألف
~~الفرخ الغلام فكانا يلعبان جميعا وكان فنزة يذهب إلى الجبل في كل يوم فيأتي
~~منه بثمرتين من فواكه الجبل لم يعرفهما أحد فيطعم إحداهما فرخه ويطعم
~~الأخرى ابن الملك فأسرع ذلك في نباتهما وقوتهما حتى استبان ذلك فيهما
~~فازداد فنزة على الملك كرامة حتى إذا كان ذات يوم وفنزة غائب في الجبل وثب
~~الفرخ في حجر ظئر الغلام فغضب من ذلك فأخذ الفرخ وضرب به الأرض فقتله.
[11.3]
فلما جاء فنزة ورأى فرخه مقتولا حزن وصاح وقال قبحا لصحبة الملوك الذين
~~لا عهد لهم ولا وفاء وويح من ابتلي بصحبتهم فإنه لا حريم لهم ولا حميم ولا
~~ذمام لأحد عندهم ولا يحبون أحدا ولا يكرمون إلا أن يكون بهم حاجة إليهم أو
~~يطمعوا عندهم في غناء او يحتاجون إليه فيقربونه عند ذلك فإذا قضوا منهم
~~حاجتهم فلا ود ولا إخاء الذين لا يجزون بحسن البلاء ولا يغفرون الذنب إنما
~~أمورهم فخر ورياء وسمعة يستصغرون ما يركبون من عظيم الذنوب ويستعظمون
~~اليسير إذا خولف فيه هواهم. ثم قال إنه ينبغي لي أن أنتقم لفرخي من الكفور
~~الغادر الذي لا رحمة له القاتل قرنه وصاحب ملاعبته ومؤاكلته. ثم وثب في وجه
~~الغلام ففقأ عينيه برجليه ثم طار حتى وقع على مكان مشرف حريز.
[11.4]
فبلغ ذلك الملك فجزع جزعا وطمع في أن يحتال لفنزة حتى يظفر به فركب بخيله
~~ووقف حيث يسمعه الصوت فناداه وقال له إنك آمن فأقبل إلي.
فأبى فنزة ذلك وقال له اعلم أيها الملك أن الغادر معاقب بغدره وأنه وإن
~~أخطأ عاجل العقوبة لم يخطئه آجلها حتى إن عقوبته لتدرك الأعقاب وأعقاب
~~الأعقاب وإن ابنك غدر بابني فعجلت له العقوبة.
قال له الملك لعمري لقد غدرناك فانتقمت منا فليس لك قبلنا ولا لنا قبلك
~~وتر مطلوب فارجع إلينا آمنا.
[11.5]
قال فنزة لست راجعا إليك وإن ذوي الرأي قد نهوا عن قرب الموتور وقالوا لا
~~يزدك لطف الحقود بك ولينه بالكلام وتكرمته إياك إلا وحشة منه وسوء ظن به
~~فإنك لا تجد للموتور الحقود أمانا هو أوثق من الذعر ولا حرز أحرز منه من
~~البعد عنه والاحتراس منه. وكان يقال إن العاقل إنما يعد أبويه من الأصدقاء
~~ويعد الإخوة رفقاء والأزواج من الألفاء والبنين ذكرا والبنات خصما والأقارب
~~غرماء ويعد نفسه فريدا وحيدا. فأنا اليوم الفريد الحزين قد تزودت من عندكم
~~من الحزن حملا ثقيلا لا يحمله معي أحد وأنا ذاهب فعليك السلام.
[11.6]
قال الملك إنك لو لم تكن اجتزيت منا ما صنعنا بك ولو كان صنيعك بنا عن
~~غير ابتداء منا بالغدر لكان الأمر كما ذكرت فأما إذ كان بدء ذلك من قبلنا
~~فما ذنبك وما الذي يمنعك من الثقة بنا فهلم فارجع.
قال فنزة إن للأحقاد في القلوب مواقع متمكنة موجعة فالألسنة لا تصدق عن
~~القلوب والقلب على القلب أعدل شهادة من اللسان وقد علمت أن قلبي لا يشهد
~~للسانك ولا قلبك للساني.
قال الملك ألست تعلم أن الضغائن والأحقاد تكون بين كثير من الناس فمن كان
~~منهم له عقل كان على إماتة الحقد أحرص منه على تربيته.
قال فنزة إن ذلك لكما ذكرت فليس ينبغي لذي الرأي أن يظن مع ذلك بالموتور
~~الحقود أنه ناس ما وتر به ولا مضرب عنه وذو الرأي يتخوف المكر والحيل ويعلم