تخطَّ إلى المحتوى

PARATEXT|

تمت حكاية الغربان والبوم

8 باب السلحفاة والقرد

وهو مثل من قعمل في اكتساب الشيء فإذا اكتسبه لم يحسن اعتقاده

[8.1]

قال الملك للفيلسوف قد سمعت حديثك عن أهل العداوة وكيف لا ينبغي أن يغتر

~~بهم ولا يسكن إليهم وإن هم تضرعوا وتوددوا فاضرب لي مثل من يعمل في اكتساب

~~الشيء فإذا اكتسبه لم يحسن اعتقاده وحفظه فذهب عنه ضياعا ولا يبقى في يده

~~إلا الحسرة والندامة.

[8.2]

قال الفيلسوف زعموا أنه كان في بعض سواحل البحر أرض فيها قردة عليها ملك

~~منها وأن ملكها ذلك كبر وضعف وطمع في ملكه قرد من ذوي قرابته قد انطبع لأهل

~~مملكته حتى استمال أهواءهم فملكوه وطردوا ذلك القرد عنهم فلحق بمكان من

~~ساحل البحر فيه غيضة عظيمة ذات أخلاط من الشجر فتعلق بشجرة من التين مشرفة

~~على البحر فكان يأكل من تينها وكان ألف ظل تلك الشجرة سلحفاة يستظل بظلها

~~ويصيب ما يسقط من التين في الماء فبينا القرد يوما يجتني التين إذ سقط منه

~~تينة في الماء فأعجبه صوت وقعها في الماء فجعل يطرح من ذلك التين في الماء

~~متلذذا بما يسمع من وقعه في الماء فجعل السلحفاة يأكل ولا يشك أن القرد

~~إنما يطرح التين من أجله فرغب في مؤاخاة القرد وكلمه بكلام لطيف وأعلمه

~~رغبته في مؤاخاته فأجابه القرد بمثل ذلك وسكن كل واحد منهما إلى صاحبه وسر

~~به واغتبط السلحفاة بجوار القرد ومؤاخاته واستغنى كل واحد منهما بصاحبه

~~ومكانه عما وراءه من أهله وأصحابه.

[8.3]

فطالت غيبة السلحفاة عن امرأته ولم يكن عودها ذلك فاشتد حزنها فشكت ما

~~داخلها من هم زوجها إلى صديقة لها.

فقالت لها صديقتها لا يخزيك الله ولا يسوءك ولا تهتمي بأمر زوجك فإنه قد

~~بلغني أنه بمكان كذا وكذا قد جاور قردا هنالك وصادقه وسكن إليه ورضي به

~~خلفا منك ومن غيرك من أهله وأحبابه فلا تحزني عليه ولكن هلمي فلننظر الحيلة

~~لهلكة القرد الذي جلب عليك الحرارة فإنه لو قد هلك رجع إليك زوجك وإلى ما

~~كنت تعهدين من المعاشرة واللطف.

[8.4]

فكان ما استقام رأيهما عليه من الحيلة أن تمارضت امرأة السلحفاة فأرسلت

~~إلى زوجها رسولا يعلمه بحالها وتسأله أن يأتيها حتى ينظر إليها قبل الموت.

فلما أتى الرسول إلى السلحفاة استأذن القرد في الإحداث بأهله عهدا فأذن

~~له فقدم عليها فلما رآها أقبل يسائلها متلطفا بها في جميع القول فجعلت لا

~~ترد جوابا وعندها صديقتها فلما رآها لا تكلمه قال لصديقتها ما بالها لا تنطق.

قالت صديقتها وكيف تنطق المريض الذي أيقن أنه ليس لمرضه إلا دواء واحد لا

~~يقدر عليه في البلاد التي هو بها.

فلما سمع السلحفاة مقالتها دخله حزن وهم فقال وما ذلك الدواء أخبريني به

~~أطلبه بجهدي فإن دواءها لو كان في إخراج نفسي جدت بها لذلك.

فقالت صديقتها إنا معشر النساء أعلم بما يصلح للنساء في أمراضهن من

~~الأطباء لا سيما أوجاع باطنة لا يعلمها إلا النساء ووجعها هذا من أوجاع

~~الأرحام ودواؤه معروف غير أنه ليس بموجود.

قال السلحفاة ما هو.

قالت قرد تأكل من قلبه.

قال السلحفاة ومن أين أقدر على ذلك وكيف لنا به.

قالت صديقتها قد أعلمتك أنه لا يوصل إلى دوائها فالرأي في شأنها الصبر.

[8.5]

فداخل السلحفاة هم شديد ونظر في الحيلة لامرأته فلم يجد مطمعا إلا في

~~صديقه فدعته نفسه إلى الاحتيال له فأمر نفسه وخاصمها وذكرها حرمة القرد وما

~~بينهما من المؤاخاة والمحافظة وخوفها الغدر وعاقبته وتذكر مع ذلك منزلة

~~امرأته منه وحلاوتها في صدره ومنافعها له وفضلها في نفسها على النساء فجعل

~~يمثل بين رأيه ثم قال الغدر عند الله عظيم وفي أخلاق الناس غير جميل وتركي

~~امرأتي على ما أعرف من وجدي بها وأن نفسي معلقة بنفسها شديد. فأطال النظر

~~في ذلك وغلب عليه الهوى فمال به في امرأته على الوفاء لصديقه فأجمع رأيه

كليلة ودمنة · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.