~~ابن عرس فقتلها وقطعها قطعا ولم يلبث رب البيت أن رجع ففتح الباب فاستقبله
~~ابن عرس مختضبا بدم فلما أبصره الناسك سلب عقله وظنه قتل الصبي فلم يتوأد
~~في أمره ولم يتردد حتي يعلم تصديق ما ظنه من ذلك ولكن عجل على ابن عرس
~~فقتله. فدنا من الصبي فوجده حيا ووجد حية سوداء مقطعة عند الصبي قطعا فجعل
~~يضرب صدره ووجهه حزنا وأسفا على ما صنع وقال ليت هذا الصبي لم يولد ولم يجر
~~على يدي ما جرى من الغدر ولم أفعل فعل من لا يشكر الحسنة ولا يكافئ بها.
[9.8]
فلما رجعت المرأة ورأت زوجها يصنع ما يصنع قالت ما يبكيك وما شأن الأسود
~~وابن عرس مقتولين.
فأخبرها الخبر فقالت هذه ثمرة العجلة.
10 باب السنور والجرذ
وهو مثل رجل كثر عدوه واحترس من كل جانب فأشفق على نفسه وأيقن بالهلاك
~~والتمس المخرج من ذلك بموالاة بعض العدو ومصالحته فسلم مما يتخوف ووفى لمن صالح
[10.1]
قال الملك للعالم قد سمعت مثل من يعجل في الأمور ويعمل بغير التثبت فاضرب
~~لي مثل الرجل الذي كثر أعداؤه فاكتنفوه من كل جانب فأشرف على الهلاك والتمس
~~المخرج منه بموالاة بعض ذلك العدو ومسالمته فسلم مما تخوف ووفى لمن صالح
~~فأخبرني عن الصلح كيف يلتمس.
[10.2]
قال العالم إن العداوة والولاية ليس كلها تدوم وكثير من المودة يتحول
~~بغضاء وكثير من البغضاء يتحول مودة عن حوادث الأمور والعلل وذو الرأي يحدث
~~لكل حديث من ذلك رأيه من طمع فيما قبل العدو ويأس مما عند الصديق ولا تمنع
~~ذا العقل عداوة كانت في نفسه لعدوه من مقاربته والتماس ما عنده إذا طمع منه
~~في دفع مخوف أو جر مرغوب ولا يعبأ مع ذلك بإحداث الرأي في المواصلة
~~والموادعة فمن أبصر الرأي في ذلك وأخذ فيه بالحزم ظفر بحاجته. ومن المثل في
~~ذلك مثل السنور والجرذ اللذين اصطلحا حين كان ذلك الرأي لهما وكان في
~~صلحهما خلاصهما من الورطة الشديدة التي كانا تورطا فيها.
قال الملك وكيف كان ذلك.
[10.3]
قال العالم زعموا أنه كان بأرض كذا وكذا شجرة تسمى النيرود وكان في أصلها
~~جحر جرذ يسمى أفريدون وكان قريبا من ذلك المكان جحر سنور يسمى رومي وكان
~~ناس من الصيادين قد اعتادوا تلك الشجرة لطلب الصيد فنصب الصياد حبائله ذات
~~ليلة فيما هنالك فوقع فيها السنور. وخرج الجرذ يدب ويطلب بعض ما يصلحه وهو
~~مع ذلك ينظر ويلتفت ويحذر فبينما هو يمشي إذ رأى السنور متقنصا في الحبائل
~~ففرح بذلك ثم التفت الجرذ خلفه فنظر ابن عرس قد كمن له ثم رفع رأسه نحو
~~الشجرة فإذا هو ببومة على الشجرة ترصده فخاف إن انصرف إلى جحره أن يثب عليه
~~ابن عرس وإن ذهب يمينا أو شمالا أن تختطفه البومة وإن تقدم فالسنور أمامه
~~فقال الجرذ عند ذلك اكتنفتني وتظاهرت علي أمور نغصت علي سروري بما ألقي على
~~السنور ولا أرى مفزعا إلا إلى الله تعالى وأن أعمل بعقلي وحيلتي.
[10.4]
فأول ذلك أن لا يكون شأني الدهش فيذهب عقلي شعاعا فإن العاقل لا يتفرق
~~عليه رأيه ولا يعزب عنه عقله على حال وإنما عقول ذوي العقول كالبحر الذي لا
~~يدرك غوره وليس البلاء ببالغ من ذي الرأي مجهود عقله حتي يهلكه ولا الرجاء
~~ببالغ منه مبلغا يبطره ويعمي عليه أمره. ثم قال في نفسه لا أرى حيلة أمثل
~~من التماس صلح السنور وقد نزل به بلاء شديد وأنا أقدر بإذن الله تعالى على
~~خلاصه ولعله لو قد سمع ما أريد أن أكلمه به من صحيح الكلام الذي لا خداع
~~فيه ولا مماكرة ولا تقريعا أن يفهم عني ويعرف منفعة ما أصف له وأدعوه فلعله
~~يطمع في معونتي إياه في خلاصه فيصالحني فعسى أن يكون له ولي في ذلك صلاح وخلاص.
[10.5]
ثم دنا من السنور فقال له كيف حالك.
قال السنور حالي ما تهوى من الضيق والضنك.
قال الجرذ لا كذب لقد كان قبل اليوم كنت وأنا يسرني ما ساءك وأرى ما ضيق