تخطَّ إلى المحتوى

PARATEXT|

انقضى باب الأسد والثور.

5 باب الابتحاث عن أمر دمنة

[5.1]

قال الملك للعالم قد سمعت حديثك عن الواشي المحتال الماهر بالخلابة كيف

~~أفسد النفس بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل مكانها العداوة فحدثني ما كان من

~~معذرة دمنة للأسد وجنوده حتى راجع الأسد رأيه في أمر الثور وأدخل التهمة

~~على دمنة وأمر به أن يقتل شر قتلة وكيف اطلع على عدوه وما كان حجته التي

~~أدلى بها.

[5.2]

قال الفيلسوف وجدنا في الأحاديث أن الأسد لما قتل الثور ندم على معاجلته

~~إياه وذكر حرمته وصحبته وكان يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عن نفسه بحديثهم بعض

~~ما دخله من الحزن والكآبة فكان من قرابة الأسد نمر كان من أكرم أصحابه عليه

~~وأخصهم عنده منزلة وأطولهم به خلوة في الليل والنهار وأنه أمسى ذات ليلة

~~عند الأسد بعد قتل الثور وانصرف ممسيا إلى منزله فمر على مسكن كليلة ودمنة

~~وكانا مترافقين في بيت واحد فسمع كليلة موبخا لدمنة فيما كان منه من الغدر

~~والمكر مذكرا له نهيه إياه وعصيان دمنة له فسمع النمر كلامهما كله.

[5.3]

وكان مما قال كليلة لدمنة قد ركبت أمرا عظيما قبيحا ودخلت من الغدر مدخلا

~~ضيقا وخنت الأسد خيانة عظيمة توشك عواقبها أن تصرعك وينكشف أمرك فلا يبقى

~~لك من السباع عاذر ولا ناصر بل يجتمع عليك كلمتهم بالهلاك والقتل ولا أرى

~~مقارنتك ولا مشاركتك رأيا.

قال دمنة قد وقع من الأمر ما لا مرد له فدع أيها الأخ تضييق الأمور علي

~~وعلى نفسك واعمل في تغييب ما قر في نفس الأسد منه ولعمري ما أنا للرأي فيما

~~سلف مني بحامد ولكن الحرص والحسد حملاني على ما صنعت.

[5.4]

فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف فدخل على أم الأسد وأخذ عليها

~~العهود والمواثيق أن لا تفشي بشيء من ذلك فجعلت له ذلك فأخبرها بما سمع من

~~كليلة وإقرار دمنة فلما أصبحت دخلت على الأسد فوجدته مكتئبا حزينا لما قد

~~فرط منه في أمر الثور.

فقالت ما يحزنك.

فقال يحزنني قتل الثور وتذكرت صحبته ومواظبته كانت معي وما كنت أستمتع به

~~من رأيه وأسكن إليه من مشورته ونصيحته.

قالت له إن أقنع ما شهد على امرئ نفسه وهذا من قولك دليل على أن قلبك

~~شاهد بأنك قد أقدمت على الثور بغير علم ولا وضح يقين بذلك واعلم أن رأس

~~الخطأ العجلة فلو كنت حين بلغك عن الثور ما بلغك كففت نفسك وملكت سورة غضبك

~~ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحفظ نظر لاكتفيت بقلبك دليلا على صدق ما

~~أتاك عنه وكذبه لأن القلوب تتكافأ فيما بينهما فقس أمرك وأمر الثور بموقع

~~أمره كان بنفسك في حياته وموقعه اليوم بعد موته.

[5.5]

قال الأسد لقد أكثرت التفكر في ذلك وحرصت على التجني على الثور بعد قتلي

~~إياه وعلى أن أغضب به ذنبا واحدا فيما بيني وبينه أقوي به تهمتي إياه فما

~~يزداد تهمتي إياه ولا يزداد ظني به في تردادي إلا حسنا ولست أتذكر منه

~~شراسة خلق أقول حملته على أنه حسدني ولا بغضا أتهمه في طلب مغالبتي ولا

~~أتذكر مني إليه سببا أرى أنه دعاه إلى مغالبتي وإني لأحب أن أفحص عن أمره

~~وأبالغ في الفحص عن شأنه وإن كنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني في أمره

~~ولكني أحب أن أعرف موقفي الذي أنا عليه فيما صنعت من الخطأ والصواب

~~فأخبريني هل سمعت شيئا.

قالت أم الأسد بلغني أمر استكتمته ولولا ما قالت العلماء مما في إذاعة

~~السر من العيب لذكرته لك.

[5.6]

قال الأسد إن لأقوال العلماء وجوها كثيرة ومعاني مختلفة وأحوالا يتصرف

~~فيها لذوي العقول العمل ببعضها في حال والترك للعمل بها في حال وقد قالت

~~العلماء الكتمان على أهل الريبة والتغييب عنهم شعبة من الريبة وسبيل من

~~الإساءة. ولا أدري لعل الذي طرح إليك ذلك إنما أراد بذكره لك إخراج نفسه من

~~الحجة عليه فيه فانصري على ما يلزمك من ذلك فقد برئ إليك وخلع بإعلامه إياك

كليلة ودمنة · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.