تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن حيث الثبوت واليقين فالمعرفة التي حصلت عن طريق الرؤية تقع في قمة هذه الحقائق ، فهل يُعقل أن يكون إخبار الله عز وجل عن حادثة الفيل أقلَّ رتبة من الرؤية ؟ وهذا يعني أنك أيها الإنسان إذا أخبرك الله بشيء فيجب أن تتلقفه وكأنك تراه ، لثبوته ، لذلك ربنا عز وجل عدل عن قوله تعالى " ألم تعلم ، ألم تُخبر ، ألم تسمع " ، قال سبحانه : " ألم تر " ، لأن الذي يخبرك الله به من حيث اليقينُ والثبوتُ والتأكيدُ هو بمرتبة الرؤية .. ألم تر.

بقيت هذه (لم) ، فيعربونها حرف جزم ونفي وقلب ، أمّا أنها حرف جزم فلأنها تجزم الفعل المضارع ، وأما أنها حرف قلب فلأنها تقلب زمنه من الحال أو الاستقبال إلى الماضي ، أيْ أما رأيت في الماضي ، واللهُ سبحانه وتعالى أخبر نبيه عما فعله بأصحاب الفيل ، وموضع الفيل بعد قليل أفصِّل فيه ، فهذه (تَرَ) فعل مضارع ، وحينما دخلت عليها لم قلبت زمنه إلى الماضي ، وأنت يا محمد يجب أن ترى ، أو لقد رأيت ، أو ألم تر ، فهذه الهمزة همزة استفهام ، وهذا الاستفهام استفهام إنكاري ، والاستفهام الإنكاري فيه نفي ، والفعل مسبوق بحرف نفي فصار نفي النفي إثباتًا ، فنفيُ النفي إثباتٌ ، ألم تَرَ .. أيْ لقد رأيت .

القصة كما ترويها الكتب أن ملك الحبشة كان نصرانياً ، أراد أن يبني في عاصمة ملكه صنعاء كعبة ، كالتي في مكة المكرمة، وأراد أن يصرف الناس إليها ، وأن يصرف الناس عن مكة إلى صنعاء ، فسمع بهذا أحد الأعراب ممن كان في مكة ، فجاء إلى صنعاء وقعد في هذا البيت الكعبة المزعومة ، بمعنى آذاه ، فحينما بلغ ملك الحبشة هذا الحدث غضب ، وأرغى وأزبد ، وقال : لآتين الكعبة ولأهدمنَّها ، فجهز جيشاً كبيراً جراراً ، وتوجه نحو مكة المكرمة .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٨٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٨٠٦