أول شيء يتلقاه الإنسان من العالم الخارجي الأصوات عن طريق الأذن ، ولذلك أكثر الآيات القرآنية كلها التي تتحدث عن السمع والبصر ، وبدأت بالسمع لأن السمع يسبق البصر، ولو أن مولوداً ولد لتِّوه وسمع صوتاً لتحرك ، لكنك لو وضعت يدك أمام عينيه فلا تطرفان إلا بعد ثلاثة أيام ، فالمعلومات التي تستقيها عن طريق السماع تكون أولاً ، ثم المعلومات التي تستقيها عن طريق البصر ، وهذه المعرفة سماها العلماء المعرفة الحسية ، فإمّا هو شيء سمعته أو شيءٌ أبصرته ، ومع أن حاسة السمع تسبق حاسة البصر إلا أن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع ، بمعنى أن الشيء الذي تشاهده لا يحتاج إلى برهان ، لكن الشيء الذي تسمعه يحتاج إلى دليل ، يحتاج أن تقول لصاحبه : صادق أو كاذب ، فصار أعلى درجة من ثبوتيات الحقائق ما شاهدته بعينيك .
سيدنا علي رضي الله عنه يقول : " بين الحق والباطل أربعة أصابع".
بين أن تقول : سمعت ، وبين أن تقول : شاهدت ، قال تعالى :
المفسرون قالوا : الأفئدة هي العقل ، أو هي الدماغ ، أو هي الفكر ، فَأَدَ الشيء بمعنى ربطه ، والإنسان عنده مدركات حسية ، فمنها ما رآه بعينيه ، وما سمعه ، وما ذاقه بلسانه ، وما شمه بأنفه ، وما لمسه بيده .. فهذه مدركات حسية ، وعنده معارف استدلالية ، هذه المدركات الحسية تعطيه المواد الأولية ، ومنها يستنبط المعلومات والحقائق .
لذلك فالإنسان تميَّز على الحيوان بأنه يملك إضافة إلى المعلومات الحسية معلومات استدلالية، وهذه التي سماها ربنا سبحانه وتعالى علم اليقين ، أما عين اليقين فمشاهدة الشيء ، فمن حيث التسلسل هناك سمع ، وهناك بصر ، وهناك استدلال ، فقد ترى دخانًا ، فتقول : لا دخان بلا نار ، فتستدل بالدخان على النار.