هذا كلام خالق الكون ، أي يا مَن أعرض عن الله ، ويا مَن تنكب طاعة الله ، و أدار ظهره للحق ، وتعلق بالدنيا ، وجعلها أكبر همه ، ومبلغ علمه ، ونسي الآخرة :
(سورة الليل )
لكنه ليس كما يقول بعض الجهلاء من أن الله عز وجل لا يسأل عما يفعل ، قد يطيعه العبد طوال حياته ، ثم يضعه في جهنم ، هذه الآية لها معنى آخر ، لفرط عدالته لا يسأل عما يفعل ، سكوت القناعة والرضى واليقين بعدالته ، لا سكوت الخوف من جبروته ، والدليل هذه الآية الثانية :
(سورة الليل )
لو كان الله يدخل الطائع النار لكانت هذه الآية غير صحيحة :
(سورة الليل )
حصراً ، والشقي الذي شقي ببُعده عن الله ، والذي شقي بالانحراف ، والسقوط في وَحَلِ الدنيا، والذي شقي بهواه وشقي بالدنيا .
الأشقى الأشد شقاوة ، الأشقى هو الذي يصلى النار ، فمن هو الأشقى ؟
الأشقى له صفتان ؛ صفة عقلية ، وصفة نفسية ، فالذي كذب وتولى ، فبعقله كذب الحق، وبنفسه اتجه إلى الدنيا ، وأدار ظهره للحق ، فوصْفُ الله له بليغ ، جاء بكلمتين :
(سورة الليل )
والتكذيب نوعان ؛ تكذيب لساني ، وتكذيب سلوكي ، والتكذيب السلوكي أخطر ، أمّا اللساني فأَنْ تقول : ليس هناك آخرة ، أنا لا أؤمن بالآخرة ، فهذا تكذيب باللسان ، لكن الذي يقول : أنا أؤمن بالآخرة ، ولا يسعى لها ، وفي الأثر : قيل لأحد البداة : هل عرفت الرب ؟ فقال : ما شاء الله ، قال : فماذا صنعت في حقه ؟.
ما الموقف العملي الذي وقفته من أجل الله ، شخص مريض مرضًا شديدًا ، وعرف الدواء ، فماذا يفعل ، هل يبقى مكتوف الأيدي ؟.
إذاً إما تكذيب باللسان ، وهذا نادر في العالم الإسلامي ، فلا تجد في المليون واحدًا يقول لك : ليس هناك آخرة ، هذا التكذيب نادر جداً ، ولكن التكذيب الشائع أنك تقول : هناك آخرة، ولا تعمل لها ، هناك جنة ولا تسعى لها ، هناك نار ولا تتقيها .