فاقتحام العقبة أن تكون حُرًّا من الشهوات ، وأن تنضبط و أن تستقيم على أمر الله و أن تلزم شرع الله ، فكُّ رقبة لها معنى آخر ؛ إذا اشتريتَ عبداً وأعتقتَه لوجه الله فهذا عملٌ يرقى بك و قد يقودك إلى طريق الخير ومعنى أعتقتَه أي جعلتَه مؤمنَا فاستحقَّ العتق ، و هذه الآية مستمرَّة ، يعني إذا كان هناك إنسان عبد لشهواته وأنتَ أقنعتَه وأفهمتَه و فسَّرتَ له بعض الآيات و أكرمتَه وأعنتَه حتَّى جاء معك إلى المسجد و استقام على أمر الله و صار حُرًّا من الشهوات ؛ أنتَ بهذا قد فكَكْتَ هذه الرقبة ؛ أعتقتَها من النار ، وقال بعضهم : عتقُ الرقبة أن تشترِيَها بمالك و تعتقَها ، أمَّا فكُّها فأن تُسهم في عتقها ، فإذا أخذْتَ حُلِيًا من أمك وأعطيتَه لزوجتك ؛ فزوجتُك عبدٌ للمظاهر ، فإذا عرفَتْ ربَّها فقد تحرَّرتْ ، فهذا المعنى الواسع للآية ، وهذا المعنى مستمِرٌّ ولا علاقة له بوجود العبيد ، ثم إذا كان هناك عبيد فاشترِهِمْ بملكَ وأعتِقْهم قال عليه الصلاة والسلام :
"عجبتُ لِمَنْ يشتري العبيد بماله ليعتقهم لِمَ لا يشتري الأحرار بمعروفه ."
فباب الآية مفتوح وواسعٌ جدَّا كأن هذه الآية تقول : إن لم تستقِمْ على أمر الله فلا زال بينك وبين أن تكون مؤمنا عقبةٌ كبيرة ، تقول : أنا الحمد لله مؤمن ؛ ولا يكفي هذا ، هل اقتحمتَ العقبة ؟ فضبطتَ أمورَك واستقمتَ على أمر الله ، وأَزَلْتَ المعاصي والمخالفات ، إن لم تكن مستقيماً فالعقبة قائمة ، و الإقبال ممنوع و الطريق مسدود و المعصية حجاب كثيف ، قال الله تعالى :
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12)فَكُّ رَقَبَةٍ(13)
[ البلد : الآية 11 – 13 ]
بعد الاستقامة صارتْ طريقًا أمامك مُعَبَّداً ، والآن نريد أن نمشيَ في هذا الطريق ، قال تعالى :
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ(14)يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ(15)أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ(16)