تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأب في البيت أمره نافذ ، و بإمكانه أن يأمر وأن ينهى ، وأن يجبر، وأن يسمح وأن يمنع، وأن يغضب وألا يغضب ، فهو مستخلف كي يمكن دين الله في هذه الأسرة ، فكان الاستخلاف حينما ربنا سبحانه وتعالى أتبعه بقوله تعالى " وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم" يعني ما قيمة عظمة الدين من دون أن يكون مطبقاً ، وممكناً ، وثابتاً ، ومستقراً؟ ما قيمة هذا الدين ؟ وأنت إذا قرأت تعليمات دقيقة جدا لآلة ، ما قيمة هذه التعليمات إن لم تمكن من تنفيذها ؟ فلو أنك أمام آلة معقدة ومعك تعليمات دقيقة جدا وإذا طبقت هذه التعليمات أعطت هذه الآلة أفضل مردود ، فما قيمة هذه التعليمات إذا جاءك من يمنعك أن تنفذه ؟ إذا لابد من أن تكون طليق اليد في تنفيذها ! حتى تؤتي هذه التعليمات أكلها . ومن هنا جاء قول الله تعالى " كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم " .

إذاً كأن الاستخلاف أن يعطي الله القوة كي يمكن الدين " الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا " فالإنسان حينما يؤدي ما أمره الله به في جو مريح ، وحينما لا يخشى في الله لومة لائم ، وحينما يرتفع الناس جميعا إلى المستوى المطلوب ، وحينما يصلي جميع الناس لا يخاف المصلي ، وحينما يؤدي جميع الناس ما عليهم من زكاة فلا يخشى أن يؤدي الزكاة وحده ، حينما يصوم جميع الناس رمضان لا يخشى صائم رمضان وحده فمعنى التمكين في الأرض : أن يكون هذا الدين ثابتا راسخا مطبقا بكل تفاصيله " وليبدلنهم من بعد خوفها أمنا " يبدو أن الخوف لابد منه الخوف فيه امتحان الله سبحانه وتعالى يمتحن المؤمن بأن يخيفه من عدوه ، فإذا ثبت وأصر على إيمانه ولم تهزه هذه الفتن عندئذ يستحق التمكين ، ولذلك قيل لسيدنا الشافعي : أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء ؟ قال رضي الله عنه : لن تمكن قبل أن تبتلى وهذا القول دقيق جداً . ومن البلاء أن تخاف قال الله عز وجل :

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٤٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٤٢٢