تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

تأثير الجرائد وحالها في مصر

لا نعرف في هذا العصر شيئا يؤثر في النفوس تأثير الجرائد فهي التي تقيم

الأحزاب في بلاد المدنية وتقعدها وتقنعها بما تشاء من الأمور العامة والخاصة.

لذلك يستعين بها الملوك والوزراء ورؤساء الأحزاب على الأعمال العامة كما

يستعين بها الأفراد على مقاصدهم الخاصة كترويج السلع بإعلان منافعها فيها ,

وللجرائد في مصر من التأثير نحو ما لها في غيرها , ولكنها قاصرة في مصر كما

أن الأمة قاصرة , فهي تشغل الجمهور في الغالب بما يضر ولا ينفع , وتشغل

الناس بأهواء الناس وتعلق آمالهم بالأوهام، وترى الناس على كثرة ذمهم

لها منقادين بزمامها , فما تكبره؛ يستكبرونه وإن كان صغيرا، وما تصغره؛

يستصغرونه وإن كان كبيرا. وما تهمل البحث فيه يهملونه كأن لم يكن شيئا مذكورا.

تجد ما تتفق عليه الجرائد يتفق عليه الأكثرون , وما تختلف فيه فهم فيه مختلفون،

كل يؤيد ناطقا ويتبع ناعقا، فلو أن لهذه الجرائد مذاهب نافعة، ومقاصد عالية

ثابتة، لبلغت بها من ترقية الأمة ما شاءت. ولكنها في الأكثر قد أضرت الأمة

بتجريء الصغير على الكبير , وتضيع زمن الجمهور بالاشتغال بسفساف الأمور ,

وصرف الوجوه عن تربية الأمة على الاستقلال، وتعليلها بكواذب الأماني الآمال،

ولا غرض لها من ذلك إلا الجاه والمال.

يكتب صاحب الجريدة بحسب هواه , ويضحك من الناس غاشا إياهم بأنه

يخدمهم، ولا عجب إذا راجت على الغافلين دعواهم أن إطراء الأمراء والحاكمين

من الخدمة الوطنية , ولكن العجب العجاب رواج دعواهم خدمة الدين الذي هم به

جاهلون، وعن صراطه ناكبون، وقد ملأ الآفاق في هذه الأيام صياح بعض

الجرائد التي تسمي نفسها إسلامية في الشكوى من زميلهم ومحسودهم صاحب المؤيد

والنيل من عرضه , والطعن بنسبه , والتحريض على ترك جريدته انتصارا للدين

بزعمهم؛ لأنه عقد على بنت عقدا شرعيا قابلا للفسخ بطلب الولي على إثبات عدم

كفاءته , وزعموا أنهم يريدون بذلك خدمة الدين والدفاع عنه، على أن إذا قدر

الأمر مرفوعا إلى المحكمة الشرعية فهلا انتظروا ما تحكم به , فإن أجازت العقد

وحكمت بالكفاءة , وإلا أطلقوا ألسنة أقلامهم على صاحب المؤيد لإنشائه عقدا

يحتمل الفسخ غرورا أو جهلا بعاقبته، أو اكتفوا بذم العمل من الوجهة الاجتماعية،

وجعلوه كعادتهم قادحا في الوطنية، وتركوا الكلام في الدين للعاملين به من العالمين.

إذا كانوا يغارون على الدين كما زعموا، فلماذا لا يتعلمون عقائده وأحكامه فقد

جاء في جريدة اللواء أنه لم ينفذ حكم المحكمة بالحيلولة بين صاحب المؤيد وزوجته

تكون إرادة الله تعالى معطلة! ! ولو جاز أن تكون الإرادة معطلة؛ لجاز أن تكون

القدرة كذلك لأن القدرة تتعلق بما تتعلق به الإرادة قطعا، ولكن جريدة اللواء تجعل

الإرادة الإلهية بمعنى الإرادة السلطانية يجوز أن تنفذ , ويجوز أن لا تنفذ، فهلا

تعلم أصحابها عقيدتهم وغاروا عليها. وإذا كانوا يغارون علي أحكام الدين كما

يزعمون فلماذا يمدحون ويطرون الأعمال المجمع على تحريمها وكفر مستحلها

كالمرقص الذي يكون في قصر الأمير بين النساء والرجال مع الدعوة إلى شرب

الخمر جهارا، وإذا كانوا يغارون على كرامة البنات أن يفعلن ما لا يليق بشرفهن

من التزوج بدون إذن آبائهن كما يزعمون، فلماذا قام زعيمهم صاحب جريدة اللواء

يندد بعمل محافظ مصر السابق عندما أراد التشديد على النساء المتهتكات في

الشوارع والأسواق؟ ! وتبعه في ذلك كثير من الجرائد حتى اضطروا الحكومة إلى

منع المحافظة من ذلك , وعاد النساء إلى تبرجهن المحرم بعدما كدن يقلعن عنه؟

فآية الصدق في المدافعة على الدين أن يكون المدافع عالما عاملا بالدين لا يحابي

فيه كبيرا ولا صغيرا , ولا سلطانا ولا أميرا، وهؤلاء لا يتعلمون ولا يعملون،

ولكنهم يحلون بأهوائهم ويحرمون، ويرتكبون سبعين منكرا بدعوى إزالة منكر

واحد ولا يبالون. فاعتبروا بمرشديكم أيها المسلمون.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٧ · الصفحة ٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٧ · ص ٣٩٩