تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام؟

ولقد دعانا المصلحان المجددان الأفغاني والمصري من قبله إلى الجمع بين

الإصلاح الديني الروحي والدنيوي المدني والسياسي، دعوانا بأن نكون وسطا بين

الدجالين الخرافيين الدينيين، والمتفرنجين الماديين الإباحيين، وضربا لنا على ذلك

الأمثال، وأقاما الحجج والبراهين، بأنه سبيل الفوز والفلاح في الدنيا والدين

فحزبهما هو الحزب الوسط الذي اعترف بسداده عقلاء الأوربيين، وبأنه لا يرجى

بدونه حياة ولا استقلال المسلمين، كما بينا ذلك مرارا في المنار، وفيما بسطناه من

سيرتهما في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام، ولا سيما فاتحته وخاتمته.

(4) الدين عندنا وعند الهندوس والوثنية:

المعروف عند المسلمين بالإجمال في كل العالم أن دين الإسلام دين التوحيد

الخالص، وأن دين الهنود من البراهمة والبوذية والسيخ وكذا البرس وغيرهم

أديان شرك ووثنية، وأن دين أهل الكتاب دين توحيد طرأ عليه ابتداع الشرك

والوثنية.

ويقل في المسلمين من وصل علمه في هذه الأديان إلى تفصيل لهذا الإجمال

ولا سيما مسلمي العرب والترك والفرس، وقد يوجد من يعلم هذا في علماء الهند

الذين اطلعوا على أديان أقوامها وتاريخها ولا سيما مذهبهم في التصوف وتربيتهم

عليه.

إن التوحيد هو أصل دينهم أو أديانهم أيضا، وقد طرأت عليه الوثنية طروءا،

ولهم فيها فلسفة تجتمع مع وحدة التجلي والشهود ووحدة الوجود عند صوفيتنا،

وقد سرى ضرب من وثنيتهم ووثنية غيرهم من أهل الأديان القديمة التي أصلها

التوحيد إلى أكثر النصارى وضرب منها إلى مبتدعي المسلمين الذين نراهم عند

الشعور بالحاجة إلى السلطان الإلهي الغيبي الأعلى لجلب نفع أو دفع ضر من غير

طريق الأسباب يتوجهون إلى غير الله من الصالحين، فيدعونهم ويستغيثون بهم،

إما وحدهم وإما لتوسيطهم عند الله بما يسميه عوامهم سوقا أو سياقة فيقولون: يا

سيدي فلان أنا سايقك على الله أو على النبي ويسميه خواصهم توسلا. وقلما يوجد

بين هذين الفريقين من يتوجه إلى الله وحده مخلصا له الدين كما أمر الله تعالى في

آيات الأمر باتباع الحنيفية ملة إبراهيم وهو التوجه إليه وحده دون سواه، وفي

دعاء افتتاح الصلاة المقتبس منها (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض

حنيفا وما أنا من المشركين) إلخ.

(5) طغمة الدعاة لعبادة القبور باسم التوصل:

ويوجد من أصحاب العمائم من يدعو إلى ذلك التوجه المشترك المنافي

للحنيفية، ويحتج له بأن الذي يدعو غير الله من أحبابه إنما يقصد بدعائه إياهم

واستغاثته بهم تقريبهم إياه إليه عز وجل. قال بعضهم في توجيهه من كتاب ألفه

للدعوة إليه: وكل ما في الأمر أنه يرى نفسه ملطخا بقاذورات المعاصي أبعدته

الغفلات عنه تعالى أيما إبعاد، فيفهم من هذا أنه جدير بالحرمان من تحقيق مطالبه

وقضاء حاجاته، وله الحق في هذا الفهم فإن الله تعالى إنما يتقبل من المتقين،

وشؤم المعاصي معروف أثره في الحرمان من الخيرات) إلخ ما قال، وقرر أن

الدعاء والاستغاثة بالموتى وبالأحياء من هؤلاء الأحباب سواء؛ لأن الموتى منهم

أحياء في قبورهم يفعلون أفعال الأحياء فيها، وفي خارجها، وأدخل هذا في باب

الكرامات، التي جعلوها عملا كسبيا لهم جاهلين لمعنى كونها من خوارق العادات،

وواطأه على ضلاله وإضلاله 63 عالما أزهريا كما ادعى وذكر أسماءهم

وإمضاوات أكثرهم بخطوطهم، وبنى على هذا أنه انعقد عليه الإجماع؛ لأن سائر

علماء الأزهر يوافقونهم فيه، وأنه يجب على جميع المسلمين اعتقاده والعلم به،

وإنما الإجماع الأصولي اتفاق مجتهدي هذه الأمة وليسوا منهم، بل هو يقول

كجمهورهم: إن المجتهدين قد انقرضوا من القرن الثالث، فلو أجمع جميع علماء

الأزهر لما كان إجماعهم حجة شرعية.

هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله تعالى عنهم بقوله:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٩٣