تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خاشع كما يجيبه سائر من سمعه؟

(خامسها) أننا قد بينا أن ما أطلقه الشرع من العبادات فليس لنا أن نقيده

بصفة نلتزمها فيها لم ترد في الشرع كالأذكار المأثورة بعد الصلاة، وذلك مفصل

في كتاب الاعتصام للعلامة الشاطبي فقد عد من البدع الإضافية اجتماع المصلين

ورفع أصواتهم بالتسبيح والتحميد والتكبير 33 مرة وغير ذلك والتزامهم إياه في

المسجد؛ لأنه يوهم أنه مشروع بهذه الصفة، ووصل أذكار إجابة المؤذن بالأذان

برفع الصوت على المنار أولى بذلك. وإنني أؤذن لصلاة الفجر في روشن الدار

كل يوم تقريبا ثم أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منصرف من الأذان

وأسأل له صلى الله عليه وسلم الوسيلة باللفظ المروي عنه في الصحاح والسنن

وغير ذلك مما ورد.

(سادسها) ولو كان المؤذن يقصد بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بعد

الأذان ما ورد عنه في جواب النداء لما تركه في صلاة المغرب، بل لأتى به بعدها

وزاد عليه الدعاء المأثور بعده وهو (اللهم هذا إدبار ليلك، وإقبال نهارك،

وأصوات دعائك، فاغفر لي) رواه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمة رضي

الله عنها ولما زاد عليه بعضهم بعد أذان الفجر نداء شيخ العرب البدوي، فبذلك

دحضت شبهات مجلة الأزهر كلها، وثبت أن ما يزيده المؤذنون ليس إلا بدعة

يجب إنكارها.

(سابعها) من مفاسد هذه البدعة أنه لما كان الوهابية يتبعون السنة في أذانهم

ويمنعون الزيادة فيه أو عليه وهم مبتدعة في زعم الدجوي رماهم المبتدعون بأنهم لا

يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا حتى إن المرحوم التقي النقي محمد

أمين بك الرافعي لما حضر مجلس الملك عبد العزيز الفيصل بن السعود بمكة

المكرمة وسمعه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكره، وإن تكرر ذكره

في المجلس مرارا كثيرة متوالية استغرب ذلك وكتبه في جريدته (الأخبار) وقال:

إنه ما رأى أحدا مثله في ذلك أي لا في مصر ولا في غيرها.

وأغرب من هذا أن بعض حجاج بلدنا قال لي بمكة المكرمة: إن الناس قالوا

لنا: إن الوهابية منعوا من الأذان الشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وقد

سمعت جميع المؤذنين ينطقون بها. فقلت له: هذا من افتراء الناس عليهم وذكرت

له سببه.

وقال بعض الناس مثل هذا مرة لوكيل إدارة المنار فدله الوكيل على دار

الوكالة العربية للحكومة السعودية وقال له: اذهب إليها في هذا اليوم وكان يوم

الجمعة تر فوقها علما أخضر، فاقرأ ما فيه لتعلم كذب هذا القول بالمشاهدة - فإن

فيه (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وهذا شعار الوهابية، فبهت الرجل.

رد علينا الأستاذ الدجوي من وجوه غير ما تقدم نوجز الكلام في الجواب عنها

فنقول:

(1) زعمه أنه خفي علينا الفرق بين الزيادة في الشيء والزيادة على

الشيء وهذا من الثاني - ونقول: لا فرق بينهما في المعنى المقصود، فهي على

كل حال زيادة متصلة بعبادة من شعائر الإسلام لم يأذن بها الله، وقد سماها

المقريزي قبلنا زيادة في الأذان.

(2) قوله: إنه ليس أول من قال: إنها بدعة مستحسنة بل علماء المذاهب

الأربعة مصرحون بذلك وجوابه - إن صح النقل - أن هؤلاء العلماء (المتأخرين

ليسوا من الأئمة المجتهدين بالاتفاق بيننا وبينه فقولهم كقوله لا يعتد به؛ إذ لا دليل

لهم عليه، ولا يجوز تقليدهم فيه باتفاق من يقول بجواز التقليد أو وجوبه على

العاجز عن الاستدلال لأنهم إنما يقولون بتقليد المجتهد وهؤلاء لا يدعون الاجتهاد،

بل يعيبون علينا الاستدلال بالكتاب والسنة لأنهم يعدونه من الاجتهاد المتعذر

ويتهكمون بنا ثم يفعلون مثل فعلنا، ولكنهم يستدلون بأقوال أمثالهم.

(3) قوله: إنه (ليس كل ما لم يفعل في عهده صلى الله عليه وسلم يكون

بدعة سيئة، ومن فهم أن ذلك داخل في الحديث: (وكل بدعة ضلالة) فهو من

أقل الناس علما، وأضيقهم عقلا) ونقول: إن كل ما لم يفعل في عصره صلى الله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٥٢