منه، وإن أخذت من الطلبة عهودا به فيجب أن يرفعوا أمرهم إليها إن عادت إليه
المدرسة، وإن ما يخص الأهالي من هذه المعاملة فهو أن يتحروا مقاومة ما تريد
المدرسة منها بضده أعني شدة الاعتصام بالدين والنفور من المخالفين إلخ.
فهذا ما عبر عنه الدجوي بافتائنا التلاميذ المسلمين بحل الصلاة مع النصارى
في كنائسهم مع علمه بكل الجهاد الذي جاهدناه في صدهم عنه، وإرشادهم إلى
الاعتصام بالإسلام بأنفع العلم والعمل.
ومنه أنني سعيت في بيروت لإقناع المسلمين بإخراج أولادهم من المدرسة
الكلية الأميركانية وغيرها من مدارس النصارى، وجمع المال لإنشاء مدرسة كلية
إسلامية تغنيهم عنها أو مساعدة المرحوم الشيخ أحمد عباس بما يتمكن به من إيجاد
جميع العلوم والفنون في مدرسته؛ فعجزوا عن ذلك وعلمت منهم أنه لا يمكنهم
الاستغناء عن تعليم أولادهم في تلك المدراس، وكان منتهى ما أنذرتهم إياه الخوف
على أولادهم من الردة، وأما الجزم بها فغير جائز ويترتب عليه فساد كبير.
فلتخبرنا مشيخة الأزهر هل كان يمكن يومئذ أن نكتب في الموضوع خيرا مما
كتبناه، أو يمكن اليوم تخويف المسلمين وصدهم عن هذه المدارس بأشد مما كتبناه
في ذلك المنار التي عزا إليه محرر مجلتها فريته، أو في الجزء الثالث من منار
هذه السنة (1351) في فتوى طويلة، وقد ذكرت للشيخ الدجوي فقال: إن هذا
من تخبط صاحب المنار وتناقضه فيما يكتبه (! ! !) ولا خلاف ولا تناقض إلا في
مزاعمه وبهائته المفتريات، وقد فضحه الله تعالى بها حتى عرفت حقيقته عند من
كانوا يظنون أنه على شيء من العلم والفهم، أو الصدق في النقل والعزو.
وليس العجب أن يشتهر مدرس أزهري كالدجوي بالعلم والفهم ويظن فيه
الصدق وتحري الحق، ثم تظهر الحوادث للناس فيه خلاف ما كانوا يظنون فيه،
وإنما عجب العجب أن يقر شيخ الأزهر هذا الرجل -بعد ظهور أمره- على
التدريس في الأزهر والتحرير في مجلته ويأتمنه على العلم والدين، والواجب عليه
أن يكلفه تبرئة نفسه مما أثبتناه من افترائه وجهله بما يقنع الناس الذين يقرءون
مقالاتنا وهم يعدون بمئات الألوف أو يعاقبه بمنعه من التدريس والتحرير، وأنى
يفعل هذا من يخرج من الأزهر أفضل المدرسين وأنفعهم بحجة الاستغناء عنهم،
ومنهم خير من نعلم من مدرسي الأزهر عناية بعلم السنة التي كادت تنسخ وتزول
من الأزهر، ولعل هذا أكبر ذنبهم، والله أعلم، وله الأمر وهو العلي الكبير.
* * *
المقال الثالث عشر
البهيتة السابعة ما سماه تطبيق القرآن على مذهب داروين
قال بعد مسألة الجن: (ومثل ذلك ما قاله في مذهب داروين في أول تفسيره
لسورة النساء: وأنه يجوز تطبيق القرآن عليه، وما أدري كيف يفعل في قوله
تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ (آل عمران: 59)
إلى آخر ما جاء في الكتاب والسنة، مع أن كثيرا من الأوربيين يأبون هذا المذهب
كل الإباء، وهل يبقى مع مثل تلك التأويلات وثوق بكتاب الله الذي أصبح قابلا لكل
تأويل، وأصبح المراد منه غير معروف حتى في أصول الدين كالإيمان بملائكة الله
تعالى.
هذا نص عبارته في البهت، ويليه عبارة أخرى في التهكم والسب، ومن
عجائب جرأة هؤلاء الجامدين المقلدين لأمثالهم من الخلف، والمعادين لمذهب
السلف، أنهم يؤولون أكثر صفات الله تعالى وأفعاله بزعمهم أن نص كتاب الله
تعالى ونصوص الأحاديث النبوية فيها تستلزم الجسمية أو الجهة في عقولهم، وهي
محال ويجهلون متبعي مذهب السلف الذين يوجبون وصف الله تعالى بما وصف به
نفسه من غير تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل، حتى إن الرجل يقول: إنه لا يؤمن
بإله في السماء؛ لأن قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ (الملك: 16) يجب
تأويله بأنه ليس في السماء ولا على العرش، وأنه لا يجوز إطلاقه كما أطلقه الله
تعالى، بل ابتدع هذا الدجوي في مجلة الأزهر تأويل أحكم المحكمات من آيات