أقول: لولا تلك العناية التي عرفها أهل بيروت مني في هذه المسألة بالقول
والفعل والسعي لما كنت بينهم لما لجئوا إلي دون غيري من علماء الأزهر أو
غيرهم بمثل هذا الكتاب، وقد أجبت صاحب الكتاب يومئذ بما يأتي:
(المنار) هذا الذي عملته المدرسة الآن هو الذي كنا نحسبه فإن هؤلاء
الإفرنج أشد خلق الله تعصبا للدين، وهم الذين نفخوا روح التعصب الذميم في
الشرق كما بينا ذلك مرارا، ولكنهم هم ومن ربوه على تعصبهم يشيعون في بلادنا
أن الشرق هو مهد التعصب (رمتني بدائها وانسلت) حتى راج تزييفهم هذا على
الجمهور زمنا. ولا يبعد أن يعدوا كراهتنا لإكراههم إيانا على دينهم تعصبا منا
وتساهلا منهم! ! !
إنهم علموا أن الحكومة العثمانية الآن تمنعهم من إكراه غير النصارى على
التعاليم والأعمال النصرانية، ولا يمكنهم أن يعبثوا بها كما كانوا يعبثون في زمن
عبد الحميد، فلجئوا إلى هذه الحيلة التي ليس أمامهم سواها ولا يرجعون عنها بحملة
الجرائد عليهم؛ لأن بث دينهم هو الغرض الأول لهم من مدارسهم لا سيما في
الشرق، فلا يثنيهم عنه شيء إلا أن يكون قوة الحكومة، والحكومة لا تمنع إلا
الإكراه. فالرأي إما ترك التلاميذ المسلمين لهذه المدرسة إن كانوا يستغنون عنها
بغيرها، وإما البقاء فيها مع تلافي ضرر التعاليم المخالفة لدينهم وجعل ذلك ذريعة
إلى منافع أخرى دينية ودنيوية.
أما الاستغناء عن المدرسة بمثلها أو خير منها فلا سبيل إليه؛ إذ لا يوجد في
بلادنا مثلها في تعليمها وتربيتها، وأما الثاني فهو ميسور والذي ننبه إليه منه أمور:
(1) مطالعة الكتب الإسلامية التي تبين حقيقة الإسلام ككتب الأستاذ الإمام
وأقواله في التوحيد والتفسير والنسبة بين الإسلام والنصرانية وكتاب روح الإسلام
للقاضي أمير علي.
(2) مطالعة الكتب التي تعارض كتبهم التعليمية الدينية ككتاب أضرار تعليم
التوراة والإنجيل لأحد علماء الإنكليز وهو يوجد بالعربية والإنكليزية وغيره من
الكتب الإنكليزية التي يمكن أن يرشدهم إليها سليم أفندي.
(3) المواظبة على الصلوات الخمس لا سيما مع الجماعة إذا أمكن وغير
ذلك من الأعمال الإسلامية كالصيام في هذه الأيام.
(4) ما أمر الله به من التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومنه التواصي
بإعداد النفوس لمسابقة القوم إلى مثل عملهم في الجمع بين العلم والدين، وإنشاء
مثل هذه المدرسة في بيروت وغيرها من البلاد فإن عملهم هذا مما يحمد.
قد بينا فيما كتبناه عن مسألة هذه المدرسة في (هذا العام وفي العام الماضي)
أن المسلم لا يكون نصرانيا كما قال السيد جمال الدين وغيره من العارفين، وقلنا
هناك أيضا: إن هذا التعصب من هؤلاء الإفرنج لا سيما القائمين بأمر هذه المدرسة
هو الذي يحيي الشعور الديني في نفوس غير النصارى من التلاميذ في هذه المدرسة،
فعمل رجال المدرسة يأتي بنقيض ما يريدون منه ويصدق فيه على المسلمين قوله
تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ (البقرة: 216) .
إن المسلم البصير بدينه لا يمنع من النظر في كتب أي دين من الأديان ولا
من سماعها، ولكن علماء الإسلام متفقون على أنه لا يجوز للمسلم أن يتلبس بعبادة
أهل دين آخر، ويعدون تلبسه بها الذي يكون به كأهلها لا يميزه الرائي عنهم من
الردة. فإذا ثبت عند القاضي ذلك في دعوى إرث مثلا فإنه يحكم بأن من هذا شأنه
لا يرث من أبيه المسلم. وما أظن أن تعصب عمدة المدرسة يصل إلى هذا الحد،
فإن هم وصلوا إليه ورفع الأمر إلى الحكومة فإنها تمنعهم منه بلا شك، سواء تعهد
التلميذ به أم لا، نعم ما كل ما يحكم به في الظاهر يوافق الباطن، وما كل ما يسميه
النصارى صلاة دعاء ممنوع عندنا، ولكن التشبه بهم فيما هو خاص بهم من أمر
الدين ممنوع قطعا. اه. من آخر جزء شعبان من منار سنة 1327.
وملخص هذا الجواب أن مسألة دخول الكنيسة تمنع الحكومة العثمانية المدرسة