تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت: 69) مع كثرة

الذكر بالقلب واللسان له، وأجمعه تدبر كتابه: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله

ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من

الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} (الأحزاب: 41-43) .

ولكن الذين يدعون هذه الآيات في أنفسهم كثيرون، وتراهم في ظلمات لا

يبصرون، يضلون الجاهلين بخرافاتهم ويأكلون أموالهم بالباطل، ولا يستفيد أحد

منهم علما نافعا، ولا هدى رافعا، وإنما الإسلام علم وهدى، فلا تغتر بدعوى حي

ولا ميت ولا بشهرته، ولا بخوارق العادات الصورية ولا المعنوية له، واعتبر بما

أفشيته لك على خلاف عادتي، من تجاربي واختباري في بدايتي، ومنه أن بعض

الأمور الروحانية التي تثمرها رياضة التصوف قد تكون فتنة تعقب صاحبها ضلالة،

وأن بعض الأنوار التي تتراءى لبعضهم خيالات شيطانية، وأن المكاشفات التي

تحصل لهم كلها خواص نفسية، هي كغيرها مما يكشفه العلم من السنن كانت

ضلالا له وطغيانا، وأعني بالإيمان اليقين بعالم الغيب، وبالهدى الاعتصام بعروة

الشرع، فمن لم يؤت نصيبا من ذلك كان عرضة إما للشك المادي، وإما للتقليد

الخرافي، فلا تنكر الخواص الروحانية اليوم خاضعا للأفكار المادية الإفرنجية،

وهي من مفاسدهم بشهادة أعلم فلاسفتهم، ثم تعود غدا فتقلدهم بإثباتها إذا انتصر

المؤمنون بها على جاحديها فإنهم قد شرعوا في البحث عنها بوسائل العلم العصري،

وقد آمن الألوف منهم بماديها، ولما يصلوا إلى غايات صوفيتنا فيها، ولو طلبوها

من طريقهم لوصلوا إلى ما انتهوا إليه، أو لسبقوهم فيه، وسيسلكون كل طريق له

فإنهم ما شرعوا في شيء وتركوه، وأبعد الفروق بين الفريقين أن هؤلاء شاكون

مجربون، وأن أولئك مؤمنون يطلبون أعلى مقام في العرفان، وهو معرفة الخالق

بآياته في الأنفس والآفاق، وتجلي أنواره فيما له من الأسماء والصفات.

وإني ليسوءني أن يزورني بعض علمائهم من الشعوب المختلفة ليذكروني فيما

وصل إليه علمي واختباري منها، وأن يجعلني بعض جماعاتهم عضو شرف فيه [2]

ثم لا أجد أحدا من المسلمين يسألني عن شيء من هذا، حتى الذين يرجعون إلي

في التفسير والحديث والعقائد وحكم الشريعة، وقد كان هذا من أسباب ما كتبته في

المسألة. وأهم منه التمهيد لما أريد كتابته في مسألة استحضار الأرواح. وأنتقل بعد

هذه المقدمات إلى تلخيص الشواهد على خدمتي للأزهر، وما كان لها من التأثير.

-----------------

<span class="footnote">

(1) هو مستر تشارلز أدمس الدكتور في الفلسفة واللاهوت بالإرسالية الأمريكانية بالقاهرة.

(2) هي جمعية العلوم الروحانية والأبحاث النفسية، بمملكة رومانية العظمى كما جاء في خطابها إلي في أول يناير سنة 1933.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٢٢