تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إصلاح الأزهر لأبيت قبول أي وظيفة فيها، وقال لي: لو كنت أريد أن أكون غنيا

لكنت من أكبر الأغنياء. فليعتبر طلاب العلم في الأزهر وغيره ممن يقصدون الجاه

أو الثروة بتاريخ الأستاذ الإمام وعاقبة أمره، وما رفع الله من ذكره، وبغيره ممن

لا غرض لهم من علم الدين إلا عرض هذا الأدنى؛ ليروا كيف كان قدوة صالحة

في حياته وبعد مماته، وإنهم سيرون وسوف يرون من سوء سيرة تجارة الدين أن

بعض الفقر خير من الثراء، وأن من الخمول والخفاء، ما هو أشرف من الشهرة

والجاه، وأن الغاية للمتقين، والخزي والسوء على المنافقين {ولتعلمن نبأه بعد

حين} (ص: 88) .

3- الاستقلال والتقليد في طلب العلم:

أنصح لكل طالب علم أن يتوخى الاستقلال بفهم ما يلقنه من مسائل العلم، ثم

الاقتناع بما يفهمه، وأن لا يكتفي بفهم أستاذه للعبارة دون فهمه هو، ولا باقتناع

أستاذه بأن ما فهمه هو الحق في نفسه إذا لم يقتنع هو بذلك، فالعلم بعبارة المعلم أو

المؤلف غير العلم بمعناها، والعلم بصحة المعنى مرتبة فوق مرتبة فهمه من العبارة،

وفوقهما مرتبة العبرة الباعثة على العمل بالعلم والإخلاص فيهما، ولن تكون

عالما بالشيء نفسه إلا إذا كنت مقتنعا واثقا به، ولا يحصل هذا في غير البديهيات

إلا بالاستدلال، وقد يقع التقليد بالدليل كما يقع بأصل المطلب فاحذر هذا.

واعلم أيها الطالب المعلم أن ما يسمى بالاجتهاد في جميع أبواب الفقه هو

مرتبة عالية من مراتب العلم الاستقلالي بالأحكام الشرعية، سواء أريد به الاجتهاد

المطلق أو الاجتهاد في مذهب واحد، وما أنصح لك به من الاستقلال في فهم كل ما

تتلقنه، والاقتناع بصحته دون ذلك: وهو أدنى مراتب العلم، وهو ما لا تكون ذا

علم صحيح في أي علم من العلوم أو فن من الفنون بدونه، وهو ما لا ترتقي عن

دركة الجهل المطلق أو الجهل التقليدي مع فقده، فأنت محتاج إلى الاستقلال في كل

علم تطلبه وكل مرتبة من مراتبه، فلا تقلد من قالوا: إن بعض العلوم قد أحاط به

العلماء الأولون علما، فليس على من بعدهم إلا أن يقلدهم في كل ما دونوه فيه بغير

بحث ولا محاولة تمحيص ولا تحقيق.

إنما الإحاطة بالعلم من صفات الله الخاصة به، وقد أمر الله رسوله خاتم

النبيين بطلب المزيد من العلم بقوله: ﴿وقل رب زدني علما﴾ (طه: 114)

فكل ما كتبه البشر، وكل ما يكتبونه ما كان ولن يكون إلا ناقصا قابلا للكمال، ولا

أستثني من ذلك علوم الحديث في الجرح والتعديل ونقد الرجال، وأجهل الجهل

بالشيء ما كان قابلا للاحتمال.

4- آية العلم الصحيح النافع:

العلم الصحيح ما كان صفة للنفس، والعلم النافع ما كان باعثا على العمل

الصالح، والعمل الصالح ما صلحت به نفس العامل، وكان قدوة حسنة لكل من

عرفها، وآية ذلك كله شعورها بجهلها ونقصها، وبحاجتها إلى الاستزادة من العلم

والاستفادة من كل شيء، وإلى المزيد من الأدب وتثقيف العقل وتزكية النفس، ولا

أحفظ عن أئمتنا في هذا المعنى أبلغ من بيتين للإمام الشافعي (رضي الله عنه هما

أدل على علمه وفضله من مجلد يؤلف في مناقبه، وهما عين الحق، فلا تحسب أنه

قالهما من باب التواضع، قال:

كلما أدبني الدهر ... أراني نقص عقلي

وإذا ما ازددت علما ... زادني علما بجهلي

5- آيات تزكية النفس الروحانية:

قال الله تعالى: ﴿وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (الذاريات: 20-21) وقال عز وجل: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو

على نور من ربه} (الزمر: 22) الآية، وقال تبارك اسمه: {الله ولي الذين

آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} (البقرة: 257) الآية، فمن لم ير فيه

شيئا من آيات ربه، ومن لم يتألق في قلبه شعاع من نور ربه، فإسلامه صوري

وراثي، وإيمانه تسليمي ظني أو جدلي، وهاتان الثمرتان للدين لا تؤتيهما شجرة

الإيمان الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع، إلا بمجاهدة النفس: {والذين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٢١